أسماءٌ والقاب

09/22/2016 - 11:15 AM

د. حاتم عيد خوري

زرتُ في مطلع الأسبوع الماضي، صديقي أمين صادق (أبو صلاح) لمعايدتِه بعيد الأضحى المبارك. إستعرضنا كعادتنا كلما التقينا، أخبارنا الخاصة والعامة، بما في ذلك ما يتساقط عادة عن موائد السياسة المحلية والعالمية. سألني أبو صلاح عمّا سأكتبُ في نهاية الأسبوع.

قلتُ له إنّ الجملةَ الأولى التي استهلَّ بها الأستاذ سهيل عطا الله زاويتَه الأسبوعية في جريدة الاتحاد بتاريخ23/8/2016 قد لفتت انتباهي، حيث قال: "ما أروعها من أسماء عندما تعكس طبيعةَ مُسمَّياتها نصًّا وروحًا....". هذه الجملة بالذات، وبصرف النظر عن السياق الصحيح الذي قيلت فيه، جعلَتْني أتذكرُ محاضراتي في نطاق أساليب تدريس العلوم في كلية إعداد المعلمين، وما كنتُ أردّده آنذاك، أمام طلابي الذين كانوا يُعدّون أنفسَهم ليكونوا معلمي علوم في مدارسنا الابتدائية، حيث كنتُ أقولُ لهم إن معظم الأسماء (باستثناء أسماء الناس) التي تَرِدُ في مجال العلوم بصورة خاصة، تكون مستَمَدةً من وظيفة المُسمَّى و/أو شكله و/أو مبناه و/أو نمط حياته الخ..... كقولنا مثلا: ميزان حرارة، رافعة، سماعة طبية، مكيِّفًا، مخلوطًا، مركبًا، حيوانًا لاحمًا، حيوانًا عاشبًا، ورقة نبات شريطية، ورقة إبرية، عمودًا فقريًّا وغيرها وغيرها... أي أن الاسم يعكس فعلًا طبيعةَ المسمَّى.

قطع أبو صلاح استرسالي في الحديث، قائلًا لي: " إذن ماذا بالنسبة لأسماء الناس؟". فأجبته: إن أسماء الناس، أي "أسامينا" هي من "صُنْع" أهالينا كما صدحت السيدة فيروز بصوتها الملائكي، شاديةً: "أسامينا شو تعبو أهالينا تلاقوها وشو افتكروا فينا...."، وقد أطلقوها علينا تيمّنًا بقدومنا، عاقدين علينا آمالًا عريضة قد يحقّقُها البعضُ منّا أحيانًا، فيصبح اسمًا على مسمَّى. وفي هذا السياق بالذات، أذكرُ أنه غداة ولادة ابني الأول قبل خمس وأربعين سنة، أطلقنا عليه اسم أمير، عِلْمًا بأن اسم أمير آنذاك لم يكن شائعًا كما هو اليوم. سألني أحدُ الأصدقاء مستفسرًا عن ذلك، فأجبتُه مداعبًا: "إذا هلولد طلع مليح بكون أمير وعند اسمو، أما إذا ما طلع مليح بكون أخذَ من الإمارة إسمَها".

سكتُ لحظة لأرتشف فنجان القهوة الذي قدمته لنا أم صلاح، ثم تابعتُ حديثي قائلًا: "وقد يخيِّبُ البعضُ الآخرُ الأملَ يا أبا صلاح، فعلى سبيل المثال، لقد اختار لي المرحوم والدي اسمَ حاتم، ربما تعبيرًا عن حُبّه وتقديره لصديقة اللبناني الزحلاوي الزجّال يوسف حاتم، و/أو ربما لأن والدي كان يعتزّ بالبيت المفتوح ويعتبر الكرمَ قيمةً اجتماعيةً إنسانية، لكني لم أصبح زجّالًا ولم تكسب الأمةُ العربية حاتمًا طائيًّا ثانيًا، ولَكَم أرجو ان لا أكون بهذا قد خيّبتُ أملَه".

ضحك أبو صلاح حتى كاد يستلقي على ظهره، قائلا لي: " أعرفُ الكثير مِن مثْل هذه "الخيبات اللطيفة". فروى لي قصة زادة، التي خطبها شاب من قرية مجاورة. كانت زادة بشعة المنظر، فغنّت لها النسوة اللواتي أقبلن لاستقبالها يوم عرسها "لو كانت هالزادة زاده كانت نفقت (أي تزوجت) في بلادا (أي بلادها)". كما روى لي أبو صلاح قصتين أخريين، أولاهما قصة رجلٍ قصير القامة، استدعتْه المحكمة ليشهد في قضية معينة، بعد أن أقسم اليمين القانونية بأنه سيقول الحقّ كل الحق ولا شيء غير الحق، سأله القاضي "شو اسمك؟"، فأجاب: "إسمي نخلة"، فانتهره القاضي قائلًا له: "بلّشْنا نكذب!!". أما القصة الثانية فهي قصة كريم المعروف ببخله، والذي قيل عنه إنه والكرم توأمان. ماتَ الكرم وبقي كريم.....

بعد أن هدأت موجة الضحك، قال أبو صلاح وقد بدا جدّيّا للغاية: "والله يا أخي، مشكلتنا هي ليست مشكلة الأسماء التي تُطلق على أصحابها في الصِغَر، إذ من حقّ كل أب وأم أن يتفاءلوا بأولادهم فيُطلِقوا عليهم أحسن الأسماء، إنما مشكلتنا هي مع الأسماء والألقاب التي تُطلق في الكِبَر على أناسٍ لا تعجبهم، كما يبدو، أسماؤهم "حافيةً"، فيضيفون عليها لقبَ بروفيسور أو "تواضعًا" دكتور بعد دفع المبلغ المعين الى سماسرة الألقاب، أو يضيفون لقبَ "شاعر" بعد "أن يكتبوا خرابيش" كما قال بروفيسور سليمان جبران (جريدة المدينة 2 ايلول 2016)". توقف أبو صلاح عن الكلام هنيهة ربما ليسترد أنفاسه، ثم تابع حديثه، قائلا لي: "والأنكى من هذا أنهم يُصرّون على تسمية خرابيشهم قصائد، حتى ولو كانت تلك "القصائد" خاليةً ليس من الموسيقى فحسب، إنما من المعنى أيضًا، محاولين إقناعك أن الحداثة تُجيز أو حتى تقتضي، هذا النوع من "الشِعر" وكأن الحداثة قد غيّرت اسم النثر، فجعلت من النثر غير المفهوم "شِعرًا إبداعيًّا"!!

بدا أبو صلاح منفعلًا، وأضحى مزاجه متعكرًا. قلت لنفسي "لا بدّ من تطرية الجو سيما ونحن في أيام العيد، فقلت له مبتسمًا: "هوّن عليك يا أبا صلاح. إن قضية الحداثة المتَّهَمة بتغيير المفاهيم وجعلِ النثر الفوضوي شعرًا، تذكرني بنكتة "أبو صابر" والحاكم العسكري. أبو صابر من قرية جليلية كان فيها في الخمسينات ومطلع الستينات، مدرسة ابتدائية وحيدة تفتقر إلى بناء مركزيّ، وتعملُ في غرفٍ مستأجرة مبعثرة بين الحارات المختلفة. كان أهل تلك القرية يعرفون أن كل كبيرة وصغيرة في القرية، من تعيين معلم في المدرسة حتى الحصول على تصاريح السفر أو رخصة لقطع الحطب، مرتبطة بأوامر من الحاكم العسكري. وهكذا وبينما كان أبو صابر يمرّ بقرب إحدى غرف التدريس المستأجرة، سمعَ معلمَ الحساب وهو يسألُ أحدَ التلاميذ: " سبعة ضرب ثمانية، كم تساوي؟". أجاب التلميذ: "45". ضرب أبو صابر كفًّا بكفٍّ قائلًا : "يا ويلي، الحاكم العسكري غيّرَ جدولَ الضرب".

عادت الابتسامة لتعلو وجه صديقي أمين "أبو صلاح" الذي "لا يطيق المايله". لكنه ما لبث أن عاد ليسالني بتأففِ: "يا أخي لماذا هذا الانتحال للأسماء وللألقاب؟ وهل اللقب المُنتحَل يُحسّن الوضعَ الاجتماعي للمنتحِل؟ وهل إضافة كلمة "دكتور" أو كلمة "شاعر" إلى اسم المنتحِل ترفع من مكانته أمام الناس؟ أم العكس هو الصحيح؟". قلتُ لصديقي دعني أجيبُك بنكتة أخرى. يُروى أن فلاحًا لبنانيًّا حاضر البديهة ، أتى إلى وزارة الداخلية في بيروت، طالبًا مقابلة السيد وليد مخنوق. فقال له موظف الاستعلامات بلهجته اللبنانية: "يا خيي، ما في عِنّا السيد وليد مخنوق، في عِنّا السيد وليد مشنوق". نظر إليه الفلاحُ باستغراب قائلًا له: "مخنوق أو مشنوق! يعني شو تحسّن بوضعو؟!!".

Hatimkhoury1@gmail.com

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment