ذكرى تأسيس دولة لبنان الكبير

09/20/2016 - 18:02 PM

 

خاص بيروت تايمز- ميشلين أبي سلوم*

 

ستٌّ وتسعون سنة مرّت على تأسيس دولة لبنان الكبير، مولودة من رحم تراكمات كبرى استجمعت في أحداث 1840 وتأسست على إثر ذلك القائمقاميتان إرساء للتهدئة من الفتنة ما بين الموارنة والدروز وهما مكوّنا لبنان الصغير الأساسيان، وفي أحداث 1860، والتي أيضًا تأسّست على إثرها متصرفية جبل لبنان فاصلة ما بين الشمال والجنوب بسربال مذهبيّ، ضمن  التسويات المزروعة على أرض لبنان. وكلّ ذلك التأسيس تمّ برعاية دولية للبنان، بحمايات توفّرت للمجموعات الطائفيّة ليس حبًّا بها، بل لكون تلك المجموعات مثّلت بالعمق الاستراتيجيّ مطلا لتلك الدول ونوافذ يدخلون من خلالها هذه الديار ويفرضون التسويات بعد معموديّة الدم.

بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى سنة 1918، وكانت قد أدّت إلى فوز الحلفاء وبخاصّة الفرنسيين والإنكليز على الألمان والمتحالفين معهم، كان لا بد للفرنسيين والإنكليز امتصاص المشرق العربيّ ومغربه وجعلها منطقة نفوذ لهما، سيّما وأنّ العثمانيين كانوا قد مرّوا بمجموعة تغييرات على المستوى الداخليّ أهمها التحوّل من دولة السلطان الدينيّة إلى الدولة العلمانيّة مع مصطفى كمال أتاتورك، بالإضافة إلى حلفهم مع الألمان في ذلك الوقت، ممّا ساهم بهزيمتهم وانتهاء الاستعمار العثماني والذي دام 400 سنة. تحوّلت المنطقة توًّا إلى محطّة تأسيسيّة وتكوينيّة جديدة، ضمن صراع بين مفهومين:

- أولا, مفهوم نادى بحريّة تقرير المصير، وهو المفهوم الأميركيّ آنذاك،  فجاءت إلى لبنان وسوريا وفلسطين بعثة كينغ-كراين بتقصّي الحقائق وقد كانت برئاسة هنري كينغ رئيس كليّة أوبرلين بولاية أوهايو، وتشارلز كراين وهو رجل أعمال من مدينة شيكاغو موفديَن من الرئيس الأميركيّ وودرو ويلسون. اللافت بأنّ تلك اللجنة طافت في معظم المدن السوريّة والفلسطينيّة وسمعت كلامًا واحدًا مؤيّدًا لوجود دولة سوريّة متكاملة في هويتها، فضلاً عن رفض الناس جميعًا لوجود دولة يهوديّة، وقد تمّ ذلك خلال مؤتمر الصلح في باريس المنعقد سنة 1919 موفدة من الرئيس الأميركيّ آنذاك وودرو ويلسون، وخرجت بانطباع بضرورة أن تقرّر الشعوب مصيرها بعيدًا عن اي انتداب أو استعمار آخر، فالخروج من استعمار يفترض محو ثقافته والاتجاه نحو بعث دول تبقى ملكًا لشعوبها، مولودة من إرادتها، مصوغة من تراثها، مصنوعة من دساتيرها، كانت لجنة كينغ كراين تواجه الفكر القائم في ذهن الفرنسيين والإنكليز. وأهمها رفض وجود دولة يهوديّة كما قررت الشعوب. حتّى دخلت أميركا عزلتها التي استمرّت حتى سنة 1946.

- ثانيا, مفهوم آخر نادى بتقاسم المنتصرين في الحرب العالميّة الأولى للمنطقة، أي جبهة الحفاء، فعقد مؤتمر الصلح في قصر فرساي في باريس سنة 1919 ضمن تلك الأطروحة، المبنيّة على اتفاقية بين الفرنسيّ فرانسوا جورج بيكو والإنكليزيّ مارك سايكس نتيجة لمفاوضات سريّة تمّت ما بين سنتي 1915-1916. من رحم تلك المفاوضات تمّ تأسيس دولة لبنان الكبير الذي اعلن سنة 1920، وجعل لبنان وسوريا والجزائر تحت انتداب فرنسيّ واحد، فيما العراق وفلسطين ومصر تحت الانتداب الإنكليزيّ، مع مفارقة واضحة بأنّ الاتفاق بين فرانسوا بيكو ومارك سايكس لم يراعِ مطالب الشعوب كما جاء في متن استطلاع لجنة تشارلز كراين وهنري كينغ وجوهرها قائم على رفض الدولة اليهوديّة بل العكس لقد أثبتت الوثائق المنشورة وغير المنشورة بأنّ هذا الاتفاق كان التوطئة المساهمة في نشوء دولة يهوديّة وطرد الفلسطينيين من أرضهم.

لبنان الكبير كان وليد تلك الصناعة. وكل الصناعات في تلك المرحلة والمستندة على عزلة الولايات الأميركية المتحدة، جاءت توطئة لقيام دولة إسرائيل. فنشوء لبنان الكبير مرّ بحقبة مخاض كبرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الدول الغربيّة ما كانت ساعية لمحبّة طائفة على حساب أخرى، فهي منذ اندراجها في صراعات الشرق الأوسط سعت لجعل الطوائف فيه لا سيما في منطقة الهلال الخصيب أو ما سمي تاريخيًّا ببرّ الشام مطلاّت لمنافعها ومكاسبها. الاستشراق المكنون في الثقافة الغربيّة هو جزء من سياق قائم في تلك المطلاّت، مع غياب بارز لكلّ استغراب عند اللبنانيين والعرب. خلال حقبة المخاض، أيّ مخاض تأسيس دولة لبنان الكبير، نصح الفرنسيون الموارنة بضمّ منطقة وادي النصارى وهي على حدود عكّار إلى لبنان كمنطقة مسيحيّة أبناؤها درسوا بمعظمهم ما بين مدارس سوق الغرب وضهور الشوير وبكفتين ومن ثمّ الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعيّة في بيروت، ومصالحهم مرتبطة بطرابلس أكثر من مما هي مرتبطة بحمص، فما كان من بطريرك الموارنة الياس الحويّك سوى أن رفض ضمّ الوادي إلى لبنان بحجة أن الأرثوذكس يكثر عددهم في لبنان، مع قبوله بضم منطقة وادي خالد في الشمال والقرى السبع في جنوب لبنان. المسألة الكيانيّة - الطائفيّة لم يطوِها التأسيس على الإطلاق، بل هي انطلقت في لحظات التاسيس تتمة لما قبل التأسيس أيضا، وتشعّبت وباتت أكثر تعقيدا على مرّ السنوات وحتى لحظاتنا هذه، فيما المنطقة على مشارف محطات تكوينيّة جديدة بفعل الصراع الدامي في سوريا. وقد جاء ردّ جورج كليمنصو على رفض البطريرك الحويك ضمّ الوادي مدويًّا: "أيها الموارنة كنتم كبارًا في لبنان الصغير وستصبحون صغارًا في لبنان الكبير"، ولا يزال صوت صوت كليمنصو يجلجل بهذه العبارة فيما المسيحيون في هذا الظرف يخشون من أن يكونوا قد أمسوا خارج المعادلة، قائمين في ظلّ فلسفة الاستيلاد المتراكمة منذ أكثر من ثلاثين سنة. أليس ما يحدث لموارنة لبنان ولمسيحييه بصورة عامة صدى لهذا الصوت النبويّ منذ ست وتسعين سنة؟

صورة التأسيس مع الحنرال غورو، أمام قصر الصنوبر في بيروت، لم يطلق العنان لحالة وحدويّة متأصّلة في عملية تكوينيّة داخليّة أعقبت العمليّة الخارجيّة للتأسيس. فقد نشأت على أطلال التأسيس صراعات تسربلت الوشاح القوميّ، زكّته وبحسب عدد من الوثائق المنشورة الوكالة اليهوديّة بحضّها عددًا من الموارنة للعودة إلى الفينقة والبقاء ضمن الجناح الفرنسيّ، مقابل نزعة إسلاميّة تطالب بالبقاء ضمن سوريا وهي اعتبرت دمشق عاصمتها. ممّا حدا بجورج نقّاش للقول بأن نقيضين لا يؤلّفان امّة واحدة. غير أنّ عددًا من المسيحيين والمسلمين بالمعنى الفكريّ إئتلفوا ضمن مفهوم ميثاقي، كوّنه مع دستور 1926 ميشال شيحا، وفيه اعتبر بأنّ الميثاق مسلّمة جوهريّة وكيانيّة لنشوء لبنان وتكوينه، واعتبر في المقابل بأنّ قيام دولة يهوديّة خطر كبير على العالم العربيّ، وخطر على ديمومة لبنان الكبير بجوهره الميثاقيّ. صحّت نظرية شيحا التي تبناها رياض الصلح فيما بعد وجعلها شعار دولة الاستقلال سنة 1943 هو والرئيس بشارة الخوري. لم ينتبه اللبنانيون والعرب بمعظمهم إلى تلك الرؤية، حتى انفجرت فلسطين في قلب لبنان الكبير وفي قلب العالم العربيّ، وقوي الصراع العربيّ-الإسرائيلي بموازاة الصراع على الهويّات، ودخل لبنان مرحلة حروب صغيرة حتى انفجرت سنة 1975 بالكليّة.

لماذا هذا السرد التاريخيّ؟

يجيء هذا السرد التاريخيّ ليقول بأنّ تكوين لبنان الكبير كما تكوين لبنان الصغير، لا ينتمي إلى ذاتيّة لبنانيّة واحدة ولم ينحت، بالتالي، ذاتية واحدة تصهر الطوائف اللبنانيّة لتصير أمّة لبنانيّة واحدة. فالمادة 95 من الدستور، في حلتيها السابقة والحالية أظهرت التوق لإلغاء الطائفيّة السياسيّة، يقينَا من المشرّع بأنّ إلغاء الطائفيّة السياسيّة، يوطّد دولة المواطنة ويقود إلى حالة تجميع جديدة تنشأ على أن يكون الشعب اللبنانيّ واحدًا أو هو أمّة واحدة. لبنان بحلّته الصغيرة ومن ثمّ الكبيرة، لكونه صناعة أجنبيّة، ولكون مواثيقه بمعظمها أجنبيّة، حتى دستوره سنة 1926 جاء مشابهًا لدستور فرنسا، نشأ في صدام مفاهيم قادتها الطوائف وأسست لها الدول، فتداخلت بأزمة فلسطين ومن ثمّ الثورات العربيّة وعلى رأسها الثورة الناصريّة وحلف بغداد في صراعهما ضمن المنطقة، إلى أيلول الأسود سنة 1969 إلى الشغب الفلسطينيّ سنة 1973 في لبنان حتى انفجرت سنة 1975 و1976، وبتنا أمام قضيّة لبنانيّة وجوديّة وكيانيّة، وتوجت باحتلال إسرائيل جنوب لبنان سنة 1978 وكان السبب لنشوء القرار 425 و426، مثلما دخلت سوريا لبنان إلى جانب الوجود الفلسطينيّ، ثم اجتاحت إسرائيل بيروت 1982، وقامت بالتمهيد لتهجير المسيحيين من الجبل سنة 1983 بجعله ساحة حرب مسيحيّة -درزيّة، أي ضمن مساحة لبنان الصغير، لتتحوّل بعد ذلك الحرب إلى مجموعة صراعات بنيويّة داخل الطوائف والمذاهب ذاتها، حتى جاء اتفاق الطائف وما كان في لحظويته تكوينيًّا بل ككلّ الاتفاقات كان تسوويًّا أخرج لبنان من مرحلة إلى مرحلة لم تبطل من جوفه النزوع للحروب.

في المحصّلة لم يؤسّس لبنان الكبير ليصير وطنا كاملاً، بل وكما كتب المؤرخ الراحل كمال الصليبي، وجد ليكون بيتا بمنازل كثيرة. لم يتمتّن فيه العقد الاجتماعيّ والروحيّ المؤدلج لمنطلقات سياسيّة تقوم على الصفاء الوجداني وتتأسّس على القيم الأخلاقيّة. لقد تأسس على مجموعة دويلات وولايات صغيرة، وليبقى ساحة للصراعات الكيانيّة تبقيه وطن لجوء وليس وطن وجود.

لقد تمّ ذكر لبنان في العهدين القديم والجديد غير مرّة، لم يذكر لبنان سوى مدى جغرافيّ، وفي كلّ المنطلقات، أي في التاريخ الممدود من القرن التاسع عشر حتى الآن، تكوّن لبنان من الوجود المسيحيّ ومن الوجود الإسلاميّ. تلك فرادة لم تستهلك لتوطيد العهد والعقد، بل استهلكت لتبقى حقل ألغام، وبخاصّة في المسألة الناشئة في هذا الزمن سواءً في البحث عن قانون انتخابات أو في انتخاب رئيس للجمهوريّة، ومع دخول العالم العربيّ حالة تكوينيّة جديدة.

وفي ظلّ ما يعيشه لبنان من أجواء متشنجة، يطرح سؤال يتوقّف عليه كثيرون، كيف ومتى سنبلغ مرحلة نقول فيها لبنان لنا ونحن مواطنوه وهو وطننا في مواطنة كاملة؟ هل سيجيب جهابذة هذا العصر على هذا السؤال-الصراع أو أنه متروك لجيل أولادنا أو ربّما اولاد أولادنا؟

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment