الفساد وثقافة المجتمع

09/19/2016 - 11:27 AM

 

 

الدكتور حسن بزي

اتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم، من أهم سمات الحكم في دول ما يسمى بالعالم الثالث، ومن ضمنها الدول العربية، حيث يتماشى مع هذا الإتساع آفة الفساد بكل وجوهها ودرجاتها، وذلك في عدم إطاعة القوانين والأعراف الإجتماعية والأخلاقية، والتلاعب بهذه القوانين وتجيير مؤسسات الدولة لأغراض وأهداف شخصية. هذا ويتخذ الفساد وجوها ً عدة، منها الفساد السياسي والإقتصادي والإداري والمالي والضرائبي... وغيرها. في ظل هذه الآفة وانتشارها في عالمنا العربي تغيب كل أساليب المحاسبة وتطبيق القوانين، بل نجاهر في شرعنة هذه الحالة وإعطائها مبرراتها وقناعاتها، وتذهب الأمور إلى أبعد من ذلك في وقاحة المجاهرة بالفساد والرشوة كونهما في نظر مرتكبيهما نوعا ً من الشطارة والذكاء عندما "يجيبها من قلب السبع" و "كيف ما زتيتو بيجي واقف"... وعندما تظهر عليه حياة البذخ والثروة والقصور... يقولون عنه: "دبَّر حالو برافو عليه"... دون الإلتزام بمقولة: "من أين لك هذا".

هذه هي ثقافة الفساد التي تعتري مجتمعاتنا دون أي رادع أخلاقي أو إنساني أو قانوني... ليعيث الفساد في البلاد خرابا ً وفي حياة المواطن جوعا ً ومرضا ً وحرمانا ً...والمثير للدهشة هو تناول الإعلام بشتى مظاهره وألوانه، في الفضائيات والكتب والتقارير أو ما تحصيه الذاكرة: برنامج "الفساد" في إحدى الفضائيات اللبنانية، وهو برنامج يشكل خطوة متقدمة وموثقة بملفات الهدر والسرقة على أنواعها في مؤسسات الدولة كملفات الدواء والغذاء والمخدرات والمحروقات والضرائب.... وبرنامج آخر بعنوان: "بالجرم المشهود"، وكتب وثائقية كـ "الإبراء المستحيل" و"الأيادي السود" وجميعها تستدعي قيام إحتجاج ، مطالبة، محاسبة، مظاهرة، ثورة، عصيان ... وغيرها من التعابير الطبيعية لشعب أعطى ثقته لطبقة سياسية حاكمة مؤتمنة على حياة الناس وأرزاقها ولكنها خانت الثقة والأمانة ووضعت نفسها بمكان آخر، لتأخذ الأمور منحى المنفعة الشخصية وتكديس الأموال والتوريث.... وما نشهده اليوم وعبر وزارة الصحة اللبنانية من فضائح مدمرة تطال اللبناني في الغذاء والدواء والماء والبيئة والكهرباء وسرقات المال العام والمخدرات... وهذه الآفات كانت موجودة ومستشرية ولكنها كانت تتلطى في المناخ الطائفي ومحسوبيات وأزلام الطبقة السياسية ومحمياتهم.

إن هذا المشهد اللبناني هو صورة مصغرة للتخبط السياسي والتنموي العربي، بالإضافة إلى التخلف العلمي، والركود الاقتصادي، مع أن المنطقة العربية هي من أغنى مناطق العالم في ثرواتها الطبيعية والإستراتيجية والسياحية والأثرية... ورغم كل ذلك فإنها لا تشكل مناخا للتطور والنمو، وتخضع لمعوقات كثيرة من أهمها الفساد الذي نتناوله في بحثنا.

 إن الفساد حالة مستشرية تنهش النسيج الاجتماعي من جوانبه الثقافية والسياسية والاقتصادية، فهو يشوّه السياسة العامة، وويحدث خللا ً في توزيع الموارد والإنماء المتوازن، ويجعل من المجتمع طبقتين: فقيرة تزداد فقرا ً وغنية تزداد غنى، ويؤدي إلى حياة سياسية تسودها الفوضى و عدم فصل السلطات، مما يضعف عنصر المراقبة والمحاسبة التي نجدها في الدول المتقدمة.

 العلاقة بين الفساد وحكم القانون تقتضي صراعا وجوديا بين الإثنين. فالفساد يمنع تطبيق القوانين القائمة. ويقاتل لعدم ترسيخ حكم القانون وتطبيقه بفعالية، مما يعيق النمو بدوره وبناء نظام ديمقراطي تسوده العدالة. وفي كل سنة تصدر عن المنظمات العالمية مؤشرات عن تراتبية دول العالم في عدة مجالات منها مدى تطبيق الديموقراطية والتصدي لتفشي الفساد وفعالية مكافحة الإرهاب وغيرها.

الفساد هو مشكلة المشاكل وإعاقة كبرى في وجه التنمية الاقتصادية للأوطان. فهو يزيد من كلفة الإستثمارات كما يحرم خزينة الدولة من واردات تصب في جيوب الأفراد، وهؤلاء المفسدون والفاسدون هم أعداء الداخل ومجوعو الناس ومصاصي دماء، حيث أن تطبيق القوانين والأحكام العرفية بحقهم ضروري وملزم، ومع أهمية القوانين وتطبيقها يبقى الأهم هو الحس الإنساني والأخلاق التي يجب أن تأخذ حيزا هاما ً مع القوانين في إصلاح ذات البين، تماشيا ً مع أحمد شوقي:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment