الرأسمالية: العبرة في التطبيق

09/12/2016 - 10:15 AM

Cedars Wine

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

هنالك أنظمة سياسية اقتصادية متعددة، والأراء تختلف حول الأفضل بينها. حتى ضمن النظام الرأسمالي مثلا المرتكز على مبادئ ثلاث هي الملكية الفردية وحرية العقود وسيادة القانون، هنالك أوجه عدة مختلفة لهذا النظام أي أن الفارق كبير بين النظام السويدي والأميركي أو بين البريطاني والسويسري. هنالك أيضا أنظمة تمزج بين الرأسمالي والاشتراكي أو بين الفردي والتعاوني وغيرها أيضا. لم يعط أي من الأنظمة نتائج فضلى لمصلحة الطبقات الوسطى وما دون بالرغم من تطبيقها لسنوات. هنالك تقصير وفساد وسوء اداء وهدر دون شك، وهذا يؤثر كثيرا على النتائج. قال "المهاتما غاندي" أن الفارق بين ما نفعله وبين ما نحن قادرون على تحقيقه يمكن أن يضع حلولا لمعظم مشاكل العالم. هذا هو حال النظام الرأسمالي الذي يعتبر مثاليا في المبادئ دون أن ينجح في التطبيق، اذ خلق طبقة واسعة من الفقراء وسمح للفاسدين بالازدهار على حساب العمال وقطاع الأعمال الشريفة.

مساوئ الرأسمالية

من أبرز الكتب التي تبين مساوئ الرأسمالية هو للاقتصادي "توماس بيكيتي" عن "النظام الرأسمالي في القرن الواحد والعشرون" الذي يبين فيه الفجوة الكبرى في الدخل والثروة التي تحققت نتيجة الممارسات الرأسمالية الخاطئة على مدى عقود. الا أن الفجوة في الدخل ليست النتيجة الوحيدة السيئة للنظام الرأسمالي، وهذا ما تجنب "بيكيتي" الخوض به لأنه فضل التركيز على موضوعي الدخل والثروة. قال "أدام سميث" مؤسس النظام الاقتصادي الحر أنه "لا يمكن لأي مجتمع أن يفرح ويزدهر اذا كان القسم الأكبر منه بائسا وفقيرا". لا شك أن الفقر هو أحد أسواء أوجه المجتمعات الحديثة والذي يصعب مواجهته حتى بأحدث الوسائل والتقنيات العلمية. هنالك اليوم ما يقرب 5 الى 7 مليار فقير في العالم أكثريتهم في الدول النامية لكنهم موجودون في كل الدول. في الولايات المتحدة مثلا في التسعينات، قدرت نسبة الفقراء ب 11%. في سنة 2008 مع بداية الأزمة المالية، كانت نسبة الفقراء الأميركيين 13,2% وارتفعت الى 16% في السنوات القليلة التي تلت. قال الرئيس ريغان "خضنا لسنوات حربا ضروس ضد الفقر، لكن الأخير انتصر علينا".

الانتاجية لا ترتفع بل تسقط أحيانا

هنالك واقع مرير هو أن الانتاجية لا ترتفع بل تسقط أحيانا بالرغم من كل الاكتشافات والاختراعات العلمية. في الولايات المتحدة، انخفضت الانتاجية بنسبة 0,5% في الفصل الماضي مما يؤثر سلبا على البحبوحة الاقتصادية وأوضاع الفقراء والعمال. النتيجة مفاجئة اذ كيف يمكن للانتاجية أن تنخفض في وقت تزدهر خلاله قطاعات الاتصالات والتكنولوجيا والمعلوماتية وغيرها؟ لا يمكن محاربة الفقر وتخفيف فجوة الدخل من دون رفع مستوى انتاجية العامل والطالب والفقير. يمكن أن تكون الايجابة عبر نوعية التكنولوجيا التي يستثمر فيها اليوم، أي عدم الاستثمار في الصناعات الثقيلة التي انتجت الثورة الصناعية وعدم بناء معامل وماكينات صناعية حديثة بل الاكتفاء بالتكنولوجيا المساعدة للاستهلاك والانفاق وليس للانتاج.

أسباب الفقر عديدة لكن أهمها سوء التعليم وبالتالي عدم القدرة على دخول أسواق العمل الحديثة التنافسية. هنالك المشكلة الصحية التي تخفف من انتاجية الفقراء وتجعل من الفاتورة الصحية الفردية والعامة مرتفعة جدا. هنالك مجتمعات تنتج فقراء كتلك التي تنتشر فيها المخدرات والممنوعات والتي تؤثر على عقل وانتاجية المواطن. هنالك مجتمعات تكثر فيها الجرائم الأخلاقية والأمنية والتي تمنع عمليا على الأفراد التقدم والتطور وخوض سوق العمل والانتاج. هنالك التكاثر السكاني في المدن وارتفاع نسب الانجاب وسوء تربية ومعاملة الأطفال وبالتالي انتشار أحياء البؤس والظلامة والفقر، وهذا ما تكلم عنه "شارلز ديكينز" في سنة 1838 في كتابه "أوليفر تويست".

ادارة برامج لمكافحة الفقر

حاولت الأمم المتحدة منذ القرن التاسع عشر ادارة برامج لمكافحة الفقر ووضعت أهدافا عملية رقمية للنجاح. لم تكن النتائج بمستوى الطموحات، وبالتالي تتجدد هذه الأهداف اليوم ربما بمعايير أكثر واقعية من السابق. عندما نقول أن الرأسمالية لم تعط العالم النتائج المرجوة أو الجيدة، فهل هذا يعني أن كل النتائج سيئة وانه ليس هنالك أمثلة بل دروس ناجحة في كل أنحاء العالم؟ العكس صحيح:

أولا: بولندا التي لم تعرف الازدهار الا عندما انتقلت من النظام الشيوعي تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي السابق الى النظام الاقتصادي الحر. هي الاقتصاد الأوروبي الأكبر بين تلك التي انتقلت من الاشتراكية الى الرأسمالية، وهي الاقتصاد السادس في الحجم بين دول الوحدة الأوروبية. حقق اقتصادها نموا قويا منذ سنة 1992 وكانت الدولة الأوروبية الوحيدة التي لم تعرف الركود خلال أزمة 2008. بلغ نمو الناتج 5% في 2008، 1,5% في 2009 وحوالي 4% في كل من السنوات التي تلت. اعتمد نجاح بولندا على ادارة ممتازة كفوءة للاقتصاد ورغبة أكيدة في النجاح هدفت الى تحقيق النمو دون فرض التقشف القاسي كما فعلت الدول الأخرى وفي مقدمها اليونان. كان النمو شاملا للجميع فلم يوسع فجوة الدخل.

ملكية المصارف هي في أكثريتها خارجية

خفضت العجز المالي تدريجيا الى حدود 2,5% من الناتج وحققت احتياطي نقدي يوازي 110 مليار دولار بفضل الصادرات القوية التي تعدت 210 مليار دولار سنويا. كما ارتفعت فعالية القطاع المالي بفضل التشريعات الجديدة والرقابة الدقيقة للمصارف والمؤسسات. تشير الأرقام الى أن ملكية المصارف هي في أكثريتها خارجية أي 13% لايطاليا، 11% لالمانيا، 9% لكل من هولندا واسبانيا، 6% للولايات المتحدة وغيرها مما يساهم في استقدام الخبرات الادارية المتخصصة. أصبح المستوى المعيشي البولوني قريب جدا من أفضل المستويات الأوروبية. المطلوب الاستمرار في الاصلاحات في سوق العمل والحفاظ على تنافسية سعر صرف النقد والاستثمار في الكنولوجيا والتدريب والتعليم.

ثانيا: فيتنام حيث أنقذ الملايين من الفقر بفضل الاستثمارات والانفتاح الاقتصادي المتواصل. 90 مليون مواطن واجهوا الفقر بعد الحروب الكبيرة التي خاضوها خلال عشرات السنوات. نجح الفيتناميون في تنويع الاقتصاد وركزوا على التعليم للتطور والانقاذ. وقعوا اتفاقية التجارة الجديدة مع 11 دولة أخرى بما فيها الولايات المتحدة والتي من المفترض أن تنقل فيتنام الى مستويات جديدة عالية. حقق الاقتصاد نموا يقارب 6% سنويا منذ سنة 2012 مع بطالة منخفضة قدرها 2,5%. هنالك عجز في الموازنة لكن الدين العام ما زال في حدود 50% من الناتج. ميزان الحساب الجاري فائض والاستثمارات الخارجية تتدفق. اقتصاد ناجح ويتطور.

ثالثا: روسيا التي تقلب اقتصادها كثيرا نتيجة السياسة وأسعار النفط. تأثر الاقتصاد مؤخرا سلبا بالعقوبات الغربية بعد الحرب مع أوكرانيا وبسقوط أسعار النفط كما بسبب الفساد المنتشر في السياسة والادارة. انحدرت الايرادات النفطية الحكومية من 200 مليار دولار في سنة 2014 الى 80 مليار دولار اليوم أي عجز في الموازنة. بين سنتي 1999 و 2008، نما الاقتصاد الروسي بنسبة سنوية قدرها 7% أي تضاعف حجم الاقتصاد خلال 9 سنوات. أما اليوم فالنمو سلبي في حدود 4% السنة الماضية و 1,2% هذه السنة. أما ميزان الحساب الجاري، فما زال فائضا مما ينعكس ايجابا على الاحتياطي النقدي البالغ 400 مليار دولار أو 17 شهرا من الواردات.

أخيرا، بالرغم من أن النظام الاقتصادي الرأسمالي لم يعط النتائج المتوقعة منه، الا أن الأمثلة الايجابية الناجحة متوافرة وعديدة وترتكز أولا على حسن ادارة الدولة والذكاء في تسويق الاقتصاد لهدفي الصادرات والاستثمارات. العبرة اذا تكمن في حسن التطبيق.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment