لون ربطة العنق

09/07/2016 - 02:02 AM

 

فادي عبّود*

الطائفية شرّ مطلق والتوزيع الطائفي مفهوم آتٍ من القرون الوسطى، حيث تُبنى الدول على أساس المذاهب. وبالطبع للمذاهب أمراؤها المبشّرون بالعفة والعلمانية والانفتاح على الآخر، ورجال دين ينتظر أحدهم الآخر ليتكلّم عن المساواة ويأتي التأييد مبهماً. وفي الواقع كلهم مشتركون بمزاد علني عنوانه "العيش المشترك"، علماً أنه في الواقع يجب أن يكون "الحياة المشتركة"، وينتهي المزاد دون أن يشتري أحدهم ما هو معروض في هذا المزاد.

كلّ هذا الكلام الذي يبدأ بالطائفية وينتهي بتوزيع الحصص كلام غريب عن مدرستي الفكرية، وأشعر بالقرف من نفسي عندما أبدأ بالغوص في تحليل نتائج هذا النظام. وهو نظام مصطنع غير منصف مبنيّ على وهم، ولا يُحترم الإنسان فيه كإنسان. ما هو سبب هذا الموضوع وما علاقته بلون ربطة العنق أو بلون القميص للذين لا يرتدون ربطة عنق؟.

اليوم، وبالرغم من الأزمة السياسية الكبيرة التي نعيشها تحوّل كلّ موضوع جلسة الحوار البارحة الى لون ربطة العنق. والواضح أنّ التعليقات كلها حول الموضوع ركّزت على الشكل ولم تتناول المضمون، ولم تحاول حتى البحث في أحقية او عدم أحقية ما طرحه الوزير باسيل حول الميثاقية.

في الواقع يصعب على الإنسان العادي أن يفهم كلمة ميثاقية، ولنشرح هذا المفهوم وبلغة بعيدة عن السياسة، أيّ بلغة الاقتصاد التي أفهمها أنا، فلنتخيّل شركة مساهمة فيها حصص موازية، ويريد أحد الشركاء أخذ قرارات أساسية بغياب الشريك الآخر. بكلّ بساطة هذه هي الميثاقية. وبكلّ بساطة هذه الشراكة لن تدوم لأنها مبنية على أساس "أكل" حقوق الآخر.

هذا هو بيت القصيد، علماً أنّ الشراكة على هذا الأساس هي مفهوم بائس أوصل الشرق الأوسط إلى ما هو عليه من تخبّط وضياع والاهتمام بالشكل وإهمال الجوهر. لم أقرأ ولم أسمع ولم أشاهد أيّ تحليل واقعي لموقف التيار الوطني الحر في هذه الشراكة، بل كلّ وسائل الإعلام في لبنان تتلهّى بلون ربطة العنق وتحوّل الموضوع موضوعاً خلافياً بالشكل، وحتى تعليقات من خارج أمراء الطوائف، جاءت لتقول إنّ العملية ليست عملية أرقام وليست عملية تمثيل وليست عملية "طنبزة" بعض الشركاء على شركائهم الآخرين، بل هو موضوع ميثاقية يحاول الوزير جبران باسيل نسفها من الأساس، وهي في الواقع ميثاقية عادلة، ولكننا نسأل هل هذه الشراكة عادلة في الواقع؟

بعيداً عن فلسفة هذه الأمور والتعتيم على جوهر الأمور، الموضوع موضوع سرقة بعض الشركاء حقوق الشركاء الآخرين، بالرغم من أنّ هذه الحقوق مبنية على اتفاق باطل يُقسّم الناس على أساس علاقاتهم بربهم.

ولكن… برغم القرف من كلّ هذه التركيبة، لا بدّ من أن نشرح ونوضح أنّ هذه الشراكة مبنية أساساً على التناتش الدائم، حيث قبل الحرب الأهلية كان أحد الشركاء يسلب حقوق الآخرين، وبعد الحرب تغيّر "السالب" ليس إلا، فانتقل السلب من طائفة الى طائفة أخرى. ولكن ما زال المبدأ مبنياً على سلب حقوق الآخرين، وليس على شراكة وطنية واضحة.

أرجو المعذرة من الجميع للعودة الى لبّ الموضوع، ومع الاحترام للأمراء وللباشوات وللبكاوات وغيرهم من عواميد هذا النظام المقيت، اذا أردنا الاستمرار في هذا الواقع المبني أساساً على مبادئ خاطئة وغير عادلة، فعلينا إيجاد نوع من العدالة في لعبة هي أساساً مبنية على "الزعبرة".

هذا هو لبّ الموضوع، فثورة التيار الوطني الحر مبنية على هذا الأساس، وكم كنا نتمنى على طاولة الحوار البحث في الجوهر، وبدل لعبة "الزعبرة" أن نبدأ بلعبة العدالة وعدم التلهّي بالآلات الحاسبة والنسب المئوية والاتهامات بالتعطيل وغيرها. فإذا كان هذا النظام الطائفي اللعين يريد أن يستمرّ الى يوم يقوم فيه الشعب ويثور ويلفظ هذه التركيبة المريضة، وحتى يتحقق ذلك يجب أن تُطبّق العدالة كاملةً.

هل نحن من المؤمنين بتقاسم مغانم الديوك؟ حتماً لسنا مؤمنين لا بالغنائم ولا بتقاسم الغنائم ولا بكلّ الطرق المعتمدة لحكم هذا البلد، ولكن نقول وبصوت واضح أنّ جوهر الموضوع هو أنّ طائفة اعتبرت نفسها منتصرة على طائفة أخرى، والتي كانت خاطئة بطريقة إدارتها للبلد، فجاءت لتعاقب هذه الطائفة بطريقة سرقة حقوقها.

طائفتان على خطأ، ولكن أن نتشدّق بالمناصفة ونعرّف المناصفة على طريقة "ما هو لي لي وما هو لكم لي"، من خلال تركيبة تأتي بممثلين لطائفة معينة هُندست على مقاسات محدّدة من خلال قانون انتخابات يأتي بمرشحين غير منتخبين من طائفتهم، بالطبع نحن لا نريد أن يكون المرشح منتخباً من طائفته فقط، ومن هنا نطالب بقانون نسبي يؤمّن العدالة بانتظار أجيال لم تولد بعد لتغيّر كلّ هذا النظام الطائفي، ولكن بانتظار هذا اليوم العظيم الذي سيأتي حتماً نطلب المناصفة الحقيقية، كما نطلب التوقف عن التلهّي بلون ربطة العنق، وننتقل إلى تصحيح الخطأ المتكرّر منذ أكثر من 50 سنة من تاريخ هذا الوطن المعذّب.

المطلوب من طاولة الحوار أن تترك لون ربطة العنق والآلات الحاسبة، وأن تحاول بوضوح وصراحة ومن دون مواربة الدخول لجوهر المشكلة لمعالجة جدية واقعية وعادلة.

أخيراً، فلنترك السياسة على حدة ولنحلل موضوع التعامل مع النفايات في الـ 25 سنة الأخيرة، ولنحكم على طريقة إدارة هذا البلد الملعون في قياداته، ولنحكم على هذه المدرسة التي تحكم لبنان.

لن يأتي الفرج من خلالهم ربما يأتي قضاءً وقدراً لما لهذه الأمة من تاريخ يثبت أنّ هذا الشعب يستطيع أن ينهض من كبواته، وأسطورة طير الفينيق هي من صنع بلادي.

* وزير السياحة السابق في لبنان

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment