…وصرخ الله: “انا هنا”

09/02/2016 - 18:44 PM

 

بقلم جورج العاقوري

 

في زمن بلغت فيه شراهة بعضهم لإفتراس السلطة حد إرتكاب حربين عالميتين ومجازر وإبادات، وتحول البشر فئران إختبار للقنابل الذرية ومواد أولية لتصنيع الشحوم…

في زمن، ملايين الناس غارقون في مستنقعات العطش ومتخمون من الجوع، جسدهم ينافس خيالهم في الضعف، واحلامهم تنافسه في السوداوية، أدمنوا الوجع وآلفوا المرض…

في زمن، كرامة الانسان إنتهكت بإسم المصلحة الوطنية والقومية والاممية وسخّرت لخدمة الزعيم المفدى والقائد الملهم، وداسوا عليها رافعين راية الدين أو منتفضين عليه…

في زمن، إجتاح الالحاد فيه أنظمة ودولاً، وتسلل أحياناً تحت ستار العلمنة وفصل الدين عن الدولة ليقمع الحق المقدس بحرية المعتقد ويضطهد الدين بإسم علمنة الدولة…

في زمن، كاد هول الحروب والفقر والمجاعات وإستشراء الظلم والاجرام والموبقات، وبأس الشر وبئس البشر يدفع الانسان الى السؤال بغضب ووجع: هل الله مات؟!!…

صرخ الله: “يا أبناء القرن العشرين انا هنا… ما من ظلم يدوم وما من شر ينتصر، وعدالة السماء ستغمر في نهاية المطاف أهل الارض… أنا هنا، هذه بصماتي  يوحنا بولس الثاني وبدري بيو والام تريزا وأمثالهم…”.

نعم تلك الراهبة المسكونة بعيش الحب الى أبعد حدود الخدمة، كانت وجه الله ويده ولسانه وقلب من قلبه… “مفروضٌ علينا أن نخدم الله حيث يدعونا. أمّا بالنسبة لي، فإنّني أشعر أني مدعوة لخدمة كل إنسان ولمحبته بطريقةٍ خاصةٍ به حسب حاجاته. وإنّني لا أفكّر قطعاً أن تكون محبتي شاملةً للجميع كأنّها دون تحديد، بل تهدف لمحبة كل إنسان بمفرده. فإذا فكرتُ بالناس جميعاً كجماعات وحسب، فهذا ليس حباً كما يريده المسيح. إنّ الفرد هو المعني بالحب الحقيقي. وإنني أؤمن بالحب وجهاً لوجه”، بعيشها وكلماتها هذه جسدت مفهوم المسيح بأن كل إنسان هو قيمة مطلقة بذاته.

تلك التريزا كانت بسمة الله وهي القائلة: “هل نعرف كم تقدم بسمة محبة إلى مريض؟ هكذا نعلن من خلال بسمتنا كم أنّ الله سامحنا إذا أحببنا مرضانا وساعدنا الفقراء. إنّه بذلك يغفر لنا جميع خطايانا”.

تلك التريزا كانت بلسم الله وهي المؤمنة أن “لكل مرضٍ هناك عدد كبير من الأدوية والعلاجات، ولكن إذا لم يكن هناك يد ناعمة وحاضرة للخدمة، وقلب كريم حاضر للحب، فإنني لا أعتقد أنّه بالإمكان شفاء ما يسمّى بنقص الحب…”.

تلك التريزا كانت عين الله ونظرته المتسللة الى انّ “عدم اكتراث بعض الناس الذين يمرّون بالمرضى والفقراء والأطفال ولا ينظرون إليهم، يعود إلى أنّهم فقدوا الإيمان والوعي. فلو كانت لهم القناعة الحميمة بأن الذي يزحف على الأرض وهو يتألم هو أخوه أو أخته، لكان تصرّف بعكس ذلك، ولكان اهتم قليلاً لأمرهم. ولكن، مع الأسف، فإنّهم لا يعرفون معنى الشفقة ولا يأبهون لهؤلاء التعساء. ولو فهموا قيمة هذا الإنسان المتألم لكانوا تصرفوا بوعي وعرفوا أن الله يسكن فيه، وحينئذٍ يبدؤون بمساعدته وبخدمته كما خدمهم المسيح نفسه”.

تلك التريزا كانت حب من حب الله وهي الواثقة أن “يجب ألا نفكّر أن يكون حبّنا لله خارق العادة لكي يكون صادقاً. إنّ كل عملٍ بسيط نعمله بمحبة لله يكون عظيماً.”

بين “برص” الوجع والفقر في كالكوتا و”صرع” الحرب في بيروت والوجوه المنسية في أصقاع الارض، أمضت الام تريزا العمر مهوسة بحب الانسان أياً يكن لونه ودينه وعرقه، إذ “حيثما يكون الحب، يكون الله هناك. وحيثما يكون الله، يكون الحب كذلك هناك. فالعالم عطشان إلى الحب، لذلك علينا أن نحمل إليه هذا الحب الذي هو الله”.

صحيح أن ألام تريزا تلقت جائزة نوبل للسلام عام 1979 وأنها ترفع على مذابح الرب قديسة الاحد 4 أيلول 2016، ولكن الاصح أن تلك البسمات التي زرعتها على وجوه الموجوعين والمهمشين كانت جائزتها الاسمى وأن فضائلها لم تنتظر مماتها وأعمالها قدستها، فكانت بصمة الله في عالمنا…

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment