رهان حزب الله على تبدل موازين القوى بسوريا بعد تدخل روسيا عسكريا بغية فرض رئيس موالٍ لطهران

10/01/2015 - 17:25 PM

كتبت ميشلين ابي سلوم*

فيما تتجه أنظار العالم إلى نيويورك التي ترسم لقاءاتها، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، خطوط تسوية أزمات المنطقة، مسجلة حراكا ناشطا وتطورات متسارعة، خلافا لحال السكون في المشهد الداخلي،الذي بدأ يستعيد بعضا من حيويته السياسية والشعبية تخول الاطراف المختلفة اعادة تجميع اوراقها للانطلاق مجددا في حملات الاحتجاج ومواجهة السياسيين في محطة الحوار الرابعة.

من هنا يشكل الاسبوعان الطالعان امتحاناً لما اذا كانت بعض القوى الاقليمية راغبة في إبقاء الوضع اللبناني على رصيف الانتظار واستمرار حال التعطيل والشلل المؤسساتي ، ام ان الانفراجات الاقليمية التي يحكى عنها ستسمح بحلحلة جزئية،تكون اولى اشاراتها عودة الحكومة للاجتماع والمجلس للانعقاد ، تمهيدا لانتقال البحث الجدي الى امكان إحداث خرق في الملف الرئاسي، رغم ان مصادر دبلوماسية غربية في بيروت تبدي حذرها ازاء المقاربات «الايجابية» لتطور الامور والحديث عن صفقات منطلقة من التأزم المتزايد على صعيد العلاقة السعودية - الايرانية، وعدم رغبة واشنطن بالذهاب في المواجهة مع الرياض الى النهاية، خاصة بعد التناغم الروسي - السعودي في سوريا، والذي سيصب بالتأكيد ضد مصالح طهران في المنطقة.

عليه تدرج مصادر في الرابع عشر من آذار كلام الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في مقابلته التلفزيونية الأخيرة في خانة المراهن على التطورات السورية بعد دخول العامل الروسي بقوّة على خطّ التسوية السياسية، لافتة إلى أن من مصلحة «حزب الله» أن يستمر في سياسة التأخير والتعطيل لملفيْ الرئاسة والحكومة بهدف تقوية مواقعه في التسوية بعد جلاء المشهد السوري، في الوقت الذي يشهد فيه الشارع اللبناني تفلتا كبيرا، وشعارات تظهر حقداً مذهبياً ضد بعض الاطراف، مؤكدة ان النظام السياسي في لبنان وصل الى أفق مسدود، وأصبح نظاماً مأزوماً بتركيبته البنيوية بالكامل ان كان بالجانب الاقتصادي، أو الاجتماعي والسياحي وغيره، ولكن قوة بقائه قائمة على المحاصصة الطائفية، وعلى المؤتمرات المتتالية، منذ عام 1943، حتّى اتفاق الدوحة، مروراً باتفاق الطائف.

استنادا الى كل ذلك تعتبر مصادر سياسية مطلعة ما قاله نصر الله وتحديداً فيما يخص إنتخابات رئاسة الجمهورية، يُؤكّد بما لا يدع مجالاً للشك مواصلة الحزب سياسة تعطيل انتخابات الرئاسة في انتظار تبدّل مجرى الحرب الدائرة في سوريا بعد إعلان التدخل العسكري الروسي المباشر إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد بعد سلسلة النكسات العسكرية التي مُني بها في معظم المناطق التي كان يسيطر عليها منذ اندلاع ثورة الشعب السوري ضد نظامه الديكتاتوري، لعلّ هذه التبدلات تنعكس إيجاباً لصالح إيران و«حزب الله»، ليس في سوريا وحدها وإنما في لبنان وغيره من الدول التي تشهد صراعاً عربياً - إيرانياً أيضاً، بالرغم من محاولة نصر الله مراراً نفي علاقة إنتخابات الرئاسة بمجرى الحرب التي يُشارك فيها الحزب بكل قواه إلى جانب نظام الأسد إستجابة لقرار إيراني مباشر بهذا الخصوص كم يعرف القاصي والداني على حدٍّ سواء واستناداً إلى مواقف وأقوال أكثر من مسؤول إيراني بارز.

ويلاحظ المتتبع لوقائع المقابلة التلفزيونية أن الأمين العام لحزب الله ضمّن كلامه جملة تناقضات ومغالطات بدأها بمحاولة تبرئة إيران من التدخل في انتخابات الرئاسة وغيرها واعتبار القرار بهذا الخصوص وغيره من القرارات فيما يخص اختيار رئيس الحكومة وغيرها من اختصاص الحزب حصراً، وسعيه الدؤوب لإلصاق تهمة التدخّل بالإنتخابات الرئاسية زوراً بالمملكة العربية السعودية، في حين تظهر كل الوقائع أن الحزب يأخذ أوامره المباشرة من المسؤولين الإيرانيين المخوّلين بمتابعة الملف اللبناني، إن كانوا من الحرس الثوري الإيراني أو غيره وأقوى دليل على ذلك أنه عندما تمّ إسقاط حكومةالوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري في نهاية العام 2010، اتخذ القرار بين مسؤولين ايرانيين كبار والرئيس السوري بشار الأسد وتبلغه وفد مشترك من تحالف الحزب وقوى 8 آذار زار العاصمة السورية يومها وعاد إلى بيروت ليعلن الاستقالة من الحكومة واسقاطها عمداً بعدما فقدت النصاب القانوني بالاستقالة بالرغم من كل التعهدات والالتزامات التي قطعها الحزب وحلفاؤه بعدم الاستقالة منها من قبل، وقد حصل هذا التطور بعدما تفاعل الصراع بين دول الخليج العربي وإيران وخصوصاً في البحرين بعدما ارسلت المملكة العربية السعودية قوة عسكرية للدفاع عن البحرين.

وبالرغم من كل عبارات التشاطر وتنميق العبارات والكلمات في هذا الموضوع خلص نصر الله إلى القول بأن «الوقت يلعب لمصلحتنا وليس لمصلحة الطرف الآخر»، في موضوع الانتخابات الرئاسية، ولم يقل كيف؟ بالاستناد إلى قلب موازين الصراع في سوريا بعد التدخل الروسي العسكري الذي أعلن تأييده مراراً في حين انه يعارض كل التدخلات الخارجية إذا كانت لا تصب في مصلحة الأسد وطهران والحزب أم إلى قلب موازين القوى السياسية الداخلية بالقوة العسكرية أو بالترهيب وكلها حالياً ليست لصالح انتخاب ميشال عون رئيساً، حتى أقرب حلفاء الحزب لا يؤيد انتخاب عون للرئاسة.

اما اشادة الأمين العام لحزب الله برئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون واعتباره مرشحاً للحزب لهذا المنصب باعتباره يمثل مواصفات «الرئيس القوي» ولديه التمثيل الحقيقي ولا «يخضع لاحد» و«لا يرتبط باي دولة أو سفارة» وما إلى هنالك من عبارات التفخيم المصطنعة والإشادة والتبجيل، فكلها مواصفات ومعايير لا يعتمدها أو يؤيدها في مجال اختيار بقية المناصب أو الرئاسات وتحديداً في رئاسة الحكومة، بل على عكس ذلك يعارض حزبه وصول صاحب التمثيل الشعبي الواسع إلى رئاسة الحكومة كما هي حال الحكومة الحالية أو الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي، وهذا يدل على ان الحزب يتعاطى بمكيالين مختلفين وحسب مصالحه وارتباطاته ومصالح إيران تحديداً وليس لمصلحة لبنان واللبنانيين كما أظهرت الوقائع الثابتة حتى اليوم، في حين ان معظم المواصفات التي يطلقها على حليفه النائب ميشال عون ليست واقعية على الاطلاق ومبالغ فيها وتتعارض مع ما يقوله رئيس تكتل التغيير والإصلاح شخصياً عن تحالفه اللصيق مع سوريا الأسد ونظام طهران وتأييده لسياسات وممارسات هذا الحلف ووقوفه إلى جانبه في الصراع الدائر بالمنطقة العربية حالياً. اما إطلاق مقولة «الرئيس القوي» فهي تتناقض كلياً مع خلاصات ونتائج ممارسات عون منذ بدء ممارسته السياسية في نهاية ثمانينات القرن الماضي وحتى اليوم لأن كل ما حققه يتسم بالتهور وتعريض لبنان لسلسلة من الحروب والدمار وتكريس الفوضى والفراغ الرئاسي وهي خلاصات ونتائج تتلاقى في اوجه عديدة من ممارسات الحزب في تعريض لبنان لموجات متلاحقة من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والنزاعات الداخلية والمشاركة في الحروب الأهلية للدول المجاورة واستمرار مصادرته لمقومات الدولة اللبنانية ومنع تطوير الحياة السياسية بقوة السلاح غير الشرعي.

اما تطرق نصر الله لنوايا الرئيس سعد الحريري غير المعلنة في تأييد انتخاب عون للرئاسة استناداً إلى وقائع اللقاءات التي جرت بين عون والحريري، إنما تهدف إلى محاولة حشر خصومه السياسيين من جهة وإعطاء جرعة أمل غير موجودة لحليفه النائب ميشال عون في هذه المسألة لأن قراءة النوايا هي من باب التكهن والاستنتاج ولا تتطابق مع المواقف الثابتة و المعلنة بخصوص رفض تأييد عون للرئاسة لأنه ببساطة في موقف تحالف معارض لا يعبر عن تطلعات وسياسة «تيار المستقبل» وحلفائه في قوى 14 آذار.

لذلك, إن «حزب الله» مستمر في تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية عمدا تحت يافطة تأييده لترشيح النائب ميشال عون لمنصب الرئاسة ظاهرياً ولكن واقعياً في انتظار رهانات وتبدلات في الصراع الدائر في سوريا قد لا تتطابق مع حسابات الحزب، وهذا لا يعني أن رئيس تكتل التغيير والإصلاح سيكون المرشح النهائي.

وأخيرا وليس آخرا,

يبقى السؤال الكبير عن موقع لبنان من أي تسوية. الرئيس نبيه بري استقبل حوار الخارج بالتشديد على أهمية حوار الداخل للانتاج لا لتقطيع الوقت،رغم ، ان القضايا موضوع الخلاف نفسها تتأجل وتدور وتتضخم، في وقت يبقى المشهد اللبناني تحت تأثير موجات الترقب من جهة، والأسفار من جهة أخرى، قبل ان يستأنف الحديث عن التعيينات العسكرية والتفعيل الحكومي والتشريع المجلسي.

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment