الدين لله والأخوَّة لنا (الجزء الثاني)

08/26/2016 - 08:46 AM

 

 

الدكتور حاتم عيد خوري

ذكرتُ في الجزء الاول من قصة عيسى فؤاد الياس الدهان انه ولد في حيفا سنة 1924، وان امه كانت قد نذرته قبل ولادته لِـ "مقام سيدنا الخضر" فتمَّ تطهيرُه هناك، وانه تعلم وعمل في حيفا وتكلّل في كنيسة السيدة سنة 1946، كما شارك كمجنَّد في الدفاع عن حيفا، لكنه تركها مرغما بعدما سقطت بايدي القوات اليهودية سنة 1948، تاركا خلفه زوجته الحامل ووالديه. كما ذكرتُ ايضا ان كل محاولات عيسى المستميتة للعودة الى حيفا، خصوصا بعد ولادة ابنته "عَودة" باءت بالفشل، وانه بعد ان عمل في جنين خمس سنوات وحصل على جواز سفر اردني، سافر الى القاهرة، وبعد سنتين، انتقل الى اسوان مسمّيّا نفسه " الشيخ عيسى الدهان - المختصّ في فضّ الخلافات وجَسْر العلاقات..."، وانه قد تعرف على سيدة فلسطينية غزية الاصل وتزوج منها "على سنة الله ورسوله" حسب تعبيره ( دون ان يكشف لها عن مسيحيته وعن كونه متزوجاً واباً لطفلة في حيفا)، فانجبت له السيدة الغزّية ابنةً اسمياها وحيدة، وان وحيدة هذه فقدت امها وهي في السنة العاشرة من عمرها، وبعد ثماني سنوات مرض والدها "الشيخ" عيسى بسرطان الرئة.

ولقد اختتمتُ حديثي السابق بالفقرة التالية: "تراجعت صحةُ "الشيخ " عيسى، واخذت تتدهور بسرعة. ادرك بألمٍ شديدٍ، ان اجله يقترب، لكن ما آلمَهُ أكثر هو انه سيترك كريمتَه "وحيدة" وحيدةً فعلا، فلا أب ولا أم ولا أخ ولا أخت ولا أقرباء، باستثناء صديقتيها القريبتين حنان وليلى. قرّر الشيخ عيسى ان يبوح لابنتِه بسرّهِ الدفين بكامل تفاصيله.... ذُهلت وحيدة مما سمعته، فقررت ان تقوم بخطوات غير متوقعة...فماذا عملت؟"

ذُهلت وحيدة فعلا ممّا سمعتْه، لكنّها تمالكت نفسَها، فاحتفظت بالسرّ وانصرفت بكل جوارحها لرعاية والدها في ايامه الاخيرة، والوقوف الى جانبه لحظة وفاته، والاهتمام بترتيب مراسيم الدفن وبيت العزاء.... بالرغم من هذه الضغوطات والفقدان الذي تلاها، لم تنسَ حديثَ والدِها قبيل وفاته، ولم يصرفها او يثنها شيءٌ عن قرارها الصارم بالبحث عن اختها "عودة" الحيفاوية، لكنه (اي فقدان والدها) جعلها تبتعد حتى عن صديقتيها حنان وليلى، وبدت كأنها تفرض على نفسها عزلةً طال امدُها او أنها تعاني من اكتئاب تسلَّطَ عليها، الامر الذي اقلق صديقتيها وجعلهما يعرضان عليها، السفرَ سوية في اجازة استجمام الى جزيرة قبرص لبضعة ايام. معارضةُ "وحيدة" تلاشت امام ضغط صديقتيها اللتين تولّتا ترتيب السفر والحجز في فندق هيلتون نيقوسيا...

وصلت وحيدة وصديقتاها الى الفندق في ساعات ما بعد الظهر، تسلمن الغرف واردْن التوجه الى المصعد، مرورا بردهة الفندق التي لم تكن مكتظة. لاحظن سيدةً شابة شديدة الشبه بـ "وحيدة" كانت تجلس، مع زوجها وطفليها كما يبدو، على اريكة. ابتسمت حنان وليلى قائلتين "يخلق من الشبه اربعين"، بينما وحيدة شعرت برفّةٍ في قلبها. وصلن الى المصعد واتفقن على التلاقي في ردهة الفندق، بعد ساعتين.

دخلت وحيدة الى غرفتها. فتحت حقيبتَها. تناولت منها على عجل، مجلةً تُعنى بشؤون الازياء، ثم قفلت راجعةً الى ردهة الفندق. لاحظت ان تلك السيدة التي تشبهها، ما زالت في موقعها، إنما هذه المرة كانت تجلس لوحدها. إتخذت وحيدة مقعدا مقابلا على بعد بضعة أمتار منها، وتظاهرت بتصفح المجلة.

رأت بطرف عينها تلكَ السيدةَ تمشي نحوها ثم تقف امامها قائلة لها: " إسْمَحيْلي يا صبية، قلبي واللهِ رَشَقْلِك، لانّ طلتك ذكّرتني بنفسي قبل نحو عشر سنوات. انا اسمي تحريرالقنواتي من حيفا، وبكون مبسوطة اتعرف عليكِ". شعرت وحيدة بخيبة أمل ولّدت غصّةً في قلبها، لان الشبه بينها وبين تحرير، جعلها تتوقع او على الاقل تتمنى ان تسمع اسم عودة الدهان التي تبحث عنها، ومع ذلك فإن كلمة حيفا خلقت نشوةً في نفسها وبعثت آملا طالما راودها بالتعرف يوما على اختها الحيفاوية.

إبتسمت وحيدة رغم انفعالها الشديد، مجيبةً بلهجتها المصرية اللطيفة : "تشرفنا يا مدام تحرير. انا اسمي وحيدة الدهان من اسوان". قالت تحرير باستغراب: " الدهان؟!!! أنا ايضا من عائلة الدهان، انا ابنة عيسى فؤاد الدهان من حيفا، ومتزوجة من الدكتور مالك القنواتي". شعرت وحيدة ان الارض تميد بها، وانها قد تكون امام مفاجئة تفوق كل التوقعات والاحتمالات. لكنها ما لبثت ان تمالكت نفسها، قائلة لتحرير بلهجة مشوبة بتحدٍّ: "مش معقول يا ست تحرير!! لان لعيسى فؤاد الدهان في حيفا، ابنة وحيدة اسمها عودة وليس تحرير".

هذه المعلومة المتحدية صدمت تحرير، لكنها سرعان ما استفاقت، لتقول دفاعا عن مصداقيتها: " امي وجدّايا اسموني عودة تيمُّنا بعودة والدي الى حيفا، التي لم تتحقق بسبب موقف السلطات الاسرائيلية، فغيّروا اسمي الى تحرير عسى "التحرير" يُحقِّق لوالدي عودةً مرجوةً لم تُحقَّق".

سكتت تحرير لحظة، كي تقول لوحيدة باستغراب شديد جدا: "لكن من اين لكِ يا وحيدة هذه المعلومات عن والدي؟". كان التوتر قد شلّ قدرة وحيدة عن النطق، لكنها تذكرت جوازَ سفر والدها الاردني، الذي دأبت على الاحتفاظ به في جزدانها. اخرجت الجوازَ وقدمتْه مفتوحا الى تحرير. بدت تحرير منفعلةً بل منذهلةً جدا وهي تقرأ اسم عيسى فؤاد الدهان الحيفاوي المولد، واخذت تُحدّق في صورته التي في الجواز. تذكرت تحرير على الفور انها تحمل في جزدانها صورة شخصية لوالدها الذي لم تعرفه.

اخذت تقارن بين الصورتين فانكشف لها التطابق الكامل. تجمّد الكلامُ على شفتيّ تحرير رغم تراقصهما. حانت منها نظرة الى وجه وحيدة، فرأت كلٌّ منهما الدموعَ المتزاحمة في مآقي عيني الاخرى، واصبح "الحكي بينهما من دون حكي"، وانهالت كلٌّ منهما على عنق الاخرى تقبيلا وهي تصرخ من اعماقها "خيتا حبيبتي".....

صوتُ بكائهما الصارخ، قد غطّى على الموسيقى الكلاسيكية التي كان جوّ ردهة فندق هيلتون نيقوسيا، يعبق بها، كما لفت بكاؤهما انتباهَ مَنْ حولَهما من نزلاء الفندق بما في ذلك، موظف الاستقبال اللبنانيّ الاصل، الذي سارع بالقدوم اليهما، لإستجلاء الموقف ظنّا منه بان هاتين السيدتين قد وقعتا في مصيبة او تعرضتا لحادث اعتداء. لكنه عندما فهم الامر، رفض تصديق انهما اختان، لانه راى مصحفا معلقا في عنقِ وحيدة، وصليبا في عنق تحرير.

انتبهت وحيدة لذلك، فسارعت الى احتضان عنق اختها تحرير، بساعدِ يدِها اليمنى كما جعلت كفَّ ذات اليد تُطبق على الصليب المعلق في عنق تحرير، بينما قبضت بكفها اليسرى على مصحفها هي، قائلة بتحدٍّ، للموظف ايّاه، وهي تهزّ قبضيتها المحتضنتين للمصحف وللصليب: "نعم نحن أختان، لان الدين لله والأخوَّة لنا".

Hatimkhoury1@gmail.com

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment