لماذا سقطت فينزويلا؟

08/19/2016 - 11:11 AM

Cedars Wine

بقلم الدكتور لويس حبيقة

عندما تسقط دولة كما حصل مع فينزويلا وبسرعة، لا بد من مراجعة الأوضاع والظروف والتعلم من التجربة السلبية المكلفة. فينزويلا، الدولة الغنية التي تحتوي على شعب نشط تصبح اليوم من أفقر دول العالم بعد ان كانت من أغناها. يبلغ عدد سكانها 30 مليون نصفهم ما دون ال 24 سنة، مع مساحة قدرها 912 ألف كلم مربع ومع حدود مشتركة مع البرازيل وكولومبيا وغويانا. تحتوي على مواد أولية مهمة بدأ من النفط الى الغاز والحديد والذهب والألماس وغيرها. دولة غنية بكل ما في الكلمة من معنى. في سنة 1950، بينما كان العالم الغربي يتعافى من نتائج الحرب العالمية الثانية، كانت فينزويلا الدولة الرابعة في الغنى عالميا. بلغ الناتج الفردي عندها 7424$ بعد الولايات المتحدة وسويسرا ونيوزيلاندا. للمقارنة، نشير أن الناتج الفردي الياباني في سنة 1950 كان 1873$، الألماني 4281$ والصيني 614$. أوضاع فريدة تشير ليس فقط الى حجم الغنى المادي بل الى حسن ادارة الدولة في ذلك الوقت.

الفينزويليون يهاجرون

تنهار الأوضاع اليوم، وها هم الفينزويليون يهاجرون خاصة المفكرين وأصحاب الأدمغة قبل العمال العاديين. قسم من أصحاب الكفاءة والمهن يتركون أعمالهم للعمل في مناجم الذهب غير الشرعية التي تركتها الدولة منذ زمن لعدم قدرتها على الحماية، فأصبحت في أيدي الميليشيات. في هذه المناجم تنتشر الملاريا التي غابت عن فينزويلا منذ عقود. في الحقيقة كانت فينزويلا الدولة الأولى في العالم التي قضت على الملاريا في سنة 1961 وذلك تبعا لمنظمة الصحة العالمية. تنتشر الملاريا اليوم بسرعة في المدن والقرى مصدرها السكان الراجعين من هذه المناجم وانتشار الحشرات بعد انتقالها معهم. في النصف الأول من 2016، ارتفعت اصابات الملاريا 72% لتصل الى 125 ألف حالة والرقم سيزداد حتما في غياب الأدوية وأجهزة الوقاية. الملاريا موجودة في أكثر من نصف الولايات الفينزويلية البالغة 23، وكان لصحيفة "النيويورك تايمز" تقرير حديث مفصل حول هذا الموضوع.

صندوق النقد الدولي لم يقيم الاقتصاد

الاحصائيات الكاملة السريعة والدقيقة غير متوافرة لفينزويلا خاصة وأن صندوق النقد الدولي لم يقيم الاقتصاد منذ سنة 2004، وبالتالي لا قيمة للأرقام القديمة. هنالك تقييم غير رسمي من جهات متعددة تشير الى الواقع لكنها غير دقيقة لأنها غير علمية علما أنها أفضل من لا شيء. في سنة 2012، أصبح الناتج الفردي الفينزويلي ال 68 عالميا ويتدنى من سنة الى أخرى بينها انخفاض 5,7% في سنة 2015 و 7,1% هذه السنة. نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية المتردية وما يتبعها من نقص حاد في السلع وانخفاض في الاستثمارات، ارتفع مؤشر التضخم الى 159% في سنة 2015 و 204% هذه السنة. سقط النقد وتردت أوضاع الفقراء ويحاول الألوف ترك البلاد الى الدول المجاورة وفي مقدمها كولومبيا ذات الاقتصاد المزدهر. سقوط اقتصاد بنسب كبيرة يجعلنا نقول أن الشعب هو في وضع لا يحسد عليه.

تبعا للاحصائيات المتوافرة، انخفض الناتج المحلي الاجمالي 3,9% سنة 2014 و 5,7% سنة 2015 ومن المتوقع أن يستمر السقوط هذه السنة 8% و 4,5% السنة القادمة. ميزان الحساب الجاري عاجز في حدود 7,5% من الناتج السنة الماضية و 6,6% هذه السنة. الموازنة عاجزة بنسب كبيرة أي 15,4% من الناتج السنة الماضية و 23,4% هذه السنة. باستثناء البرازيل التي تعاني من مشاكل سياسية عميقة وفينيزويلا، كل دول أميركا اللاتينية نمت السنة الماضية. منذ تولي "هوغو شافيز" الرئاسة حتى موته أي فترة 1999 2013، تنحدر الأوضاع الاقتصادية في الدولة لأسباب مرتبطة بالسياسة والادارة والاقتصاد. عندما تسلم الحكم أمم شركتي الاتصالات والكهرباء، فانهارت الفعالية وارتقعت التكلفة كما الفوضى والفساد. تحول قطاع النفط معه الى قطاع يوظف دون جدوى، فارتفع عدد العمالة 3 أضعاف كما انخفض الانتاج.

فينزويلا تعاني اليوم من أسواء أزمة في تاريخها

أكمل "نيكولاس مادورو" الطريق وها هي فينزويلا تعاني اليوم من أسواء أزمة في تاريخها.

أولا: بنيت السياسة الاجتماعية على استعمال الايرادات النفطية لتمويل الحاجات الاجتماعية ودعم السلع الأساسية وضرب الفقر. لم يكن هنالك أي تفكير أو رؤية بشأن التنويع الاقتصادي لتخفيف مخاطر الاتكال على النفط. انخفض عدد الفقراء من 50% في سنة 1999 الى 27% في سنة 2011 وعاش الشعب في بحبوحة مقبولة. عندما انخفض سعر برميل النفط كما حصل، لم يعد بالامكان الاستمرار بتمويل حاجات الشعب وبالتالي وقعت الأزمة الاجتماعية المستمرة. كانت الالتزامات الاجتماعية محقة وانسانية، لكنها لم تكن مدروسة ماليا وبالتالي صعب جدا الاستمرار فيها قبل ايجاد بدائل. ارتفعت حصة النفط من الصادرات من 70% في سنة 1998 الى 98% في سنة 2013 مما يشير الى التأثير الخطير لسعر البرميل على الأوضاع الاجتماعية. نضيف اليه حصول جفاف قاس ضرب الانتاج الزراعي وبالتالي لم يعد موجودا علما ان الاستيراد أصبح مكلفا مع سقوط النقد. أوضاع اقتصادية صعبة بالاضافة الى جوع ضرب الطبقات الوسطى والفقيرة.

ثانيا: عندما بدأت أسعار النفط بالانخفاض وبالتالي تدنت الايرادات، لجأت الدولة الى التمويل النقدي عبر زيادة حجم الكتلة النقدية والاقتراض. أبسط الملمين بالعلوم الاقتصادية يعرفون جيدا أن هذا يؤدي الى التضخم والى انهيار النقد وهذا ما حصل فعلا وبسرعة.

ثالثا: لم تكن ادارة الدولة مسؤولة وجدية، اذ أن النظام الكوبي الذي حاول شافيز نسخه مختلف جدا. يختلف أولا بعدم وجود شخصية ككاسترو تجذب الشعوب وتقنعها عن حق أو باطل بالتقشف والالتزام بمبادئ "الثورة". قيادة الدولة مهمة جدا في الظروف الصعبة وهذا ما فشل به شافيز وتبعه فيه مادورو. بالاضافة الى سوء الادارة الداخلية، ساءت العلاقات مع دول الجوار والولايات المتحدة والمؤسسات الدولية أي لم يعد ممكنا ايجاد من يمكن أن يساعد فينزويلا ماديا ومعنويا وانسانيا في ظروفها السيئة.

رابعا: تجمعت كل المصائب في وقت واحد أي أزمة سياسية حادة مع الجوار، أزمة ادارة اقتصادية واجتماعية للدولة، انهيار الأمن وزيادة المخاطر الشخصية وانهيار الأمن العام بالاضافة الى عدم توافر المحروقات في بلد يصدره. ارتفع الاجرام القاتل الى 200 جريمة لكل 10 ألاف شخص وهي من الأعلى في العالم.

ما هي الحلول لانقاذ الدولة والشعب وهل يمكن لفينزويلا أن تستفيد من التجارب السابقة السلبية التي ضربت مثلا المكسيك ودول شرق أسيا وروسيا والبرازيل والأرجنتين وغيرها؟

أولا: وقف التمويل عبر النقد أي ضبط الكتلة النقدية للسيطرة على التضخم ووقف انهيار النقد أكثر. هذا ليس صعبا لكنه يجب أن يترافق مع تخفيض الانفاق وايجاد مصادر تمويل أخرى ربما عبر المساعدات الخارجية.

ثانيا: تخفيض الدعم حتى للسلع الأساسية لأن لا قدرة للدولة على الاستمرار في الانفلاش المالي. السكان سيتضايقون لأن أوضاعهم سيئة وبالتالي هل باستطاعة الحكومة اليوم تأمين مساعدات مالية بديلة عبر المنظمات الانسانية الرسمية وغير الرسمية. ليست هنالك قدرة على التواصل مع السلطات الرسمية السياسية لأن الادارة الفينزويلية دمرت العلاقات وتحدت الجميع، وهذا لم يكن يوما في مصلحة الشعب.

ثالثا: لا بد من اعادة بعض الاعتبار للنقد عبر رفع قيمته في السوق بالتزامن مع تأمين العملات الصعبة لذلك. هذا ممكن لأن الدولة غنية والاقتصاد قابل للتعافي ربما مع ادارة سياسية جديدة. تحتاج فينيزويلا الى دعم اقتصادي ومالي كبير اليوم قبل الغد لتجنب الأسواء والهجرة والفقر ولمحاولة بناء مع الوقت، أي ربما خلال 15 سنة، دولة حديثة فاعلة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment