التأقلم المناسب للسياسات النقدية

08/15/2016 - 10:12 AM

بقلم الدكتور لويس حبيقة

تغيرت طبيعة الأزمات المالية وبالتالي توجب تغيير السياسات التي تتجنبها أو تخفف من نتائجها السيئة. قال "ستانلي فيشير" نائب حاكمة المصرف المركزي الأميركي أن سبب الأزمات الأساسي هي الديون المكدسة التي تضخم الأسعار وتسبب لاحقا فقاعات كبيرة تؤدي الى ركود قوي. قال "كينز" أن التفاؤل غير المحسوب وغير المنطقي هو المسبب الرئيسي للأزمات.

عدم الاستقرار المالي

قال "مينسكي" أن البحث غير المدروس عن الأرباح والتجدد أو الجشع يقود الى عدم الاستقرار المالي وبالتالي الى الأزمة. قال أيضا أن الأزمات تحدث في الأوقات الجيدة عندما لا ننتظرها أو نتوقعها. تقول المدرسة النمساوية الشهيرة بقيادة "هايك" و"فون ميزيس" أن طرق تمويل المشاريع والاستهلاك هي العامل الأساسي المسبب للأزمات. اذا أتى التمويل من الادخارات الوطنية فلا مشكلة، أما اذ أتى من الانفلاش النقدي فستحدث الأزمة عاجلا أم آجلا. هنالك العديد من الاقتصاديين بينهم "غالبريث" و" كيندلبرغر" يعتقدون أن النظام الرأسمالي يحمل في داخله بذور أزمات ستحدث مستقبلا نتيجة ارتفاع المخاطر والتهور في التبادل المالي.

تغيرت طبيعة الأزمات كما يظهر من المقارنة بين أزمتي 1929 و 2007. في الأولى، بدأت الأزمة في البورصة وانتقلت الى المصارف وثم الى القطاع العقاري. في 2007، بدأت الأزمة من القطاع العقاري وأنتقلت الى المصارف وثم الى البورصات والأسواق المالية. تغيرت الأزمات نتيجة تغير خصائص الأسواق الحقيقية والمالية وتوقعات المستثمرين وسرعة توافر المعلومات والاحصائيات. في الحالتين، كانت هنالك فجوات كبيرة وخطيرة في الدخل بين المواطنين حركت المشاعر وسببت القلق بشأن الاقتصاد ومستقبله.

مسؤولية المصرف المركزي

في كل حال، تعتبر السياسة النقدية واحدة من أهم السياستين الاقتصاديتين المعتمدتين في كل الدول. هي من مسؤولية المصرف المركزي المستقل مبدئيا، بينما تهتم الحكومة أو وزارة المالية تحديدا بالسياسة المالية. أول مصرف مركزي في العالم كان في السويد في سنة 1668. وصل عدد المصارف المركزية الى 23 في سنة 1920 والى أكثر من 160 اليوم. دراسات وكتابات "ميلتون فريدمان" أعطت للسياسة النقدية وهجا وأهمية لم يكونا موجودين قبلا. وضع فريدمان الضوء حول تأثير السياسة النقدية على التضخم وطلب من المصارف المركزية التنبه الى حجم الكتلة النقدية وعدم زيادتها الا عند الضرورة.

تحديد الفائدة الرئيسية هو أهم عمل تقوم به المصارف المركزية والذي يهدف الى تخفيف الاقتراض أو زيادته تبعا لحاجة الاقتصاد. هدف السياسة النقدية الأول هو تجنب التضخم أو مكافحته خاصة اذا وجد لأسباب لا علاقة للنقد بها، كارتفاع أسعار المواد الأولية أو زيادة الطلب على سلع وخدمات معينة. اليوم تغيرت السياسة النقدية كليا في أهدافها وممارستها لأن الاقتصاد العالمي تغير وبالتالي الأوليات والتقنيات والأدوات تغيرت كثيرا بدورها.

منذ سنة 2007 ومع بدء مؤشرات الأزمة المالية الأميركية العالمية، تغيرت السياسات النقدية أكثر في معظم الدول. في الولايات المتحدة، خفض المصرف المركزي الفائدة الأساسية الأسمية الى حدود الصفر مشجعا على الاقتراض للاستهلاك والاستثمار. الفائدة الصفر تعني فائدة حقيقية سلبية، أي لا جدوى من الادخار بل يأتي الربح كل الربح من الاقتراض وثم الاستثمار. هذه سياسات استثنائية في ظروف صعبة لا يمكن أن تدوم طويلا، انما هي ضرورية للانقاذ. كان الخوف كبيرا من الركود والبطالة اذ غاب عمليا خطر التضخم.

انقاذية واضحة في الاقتصاد العام

حدد المصرف المركزي ونفذ سياسة هجومية أعطت نتائج انقاذية واضحة في الاقتصاد العام. من نتائجها تحسين أسواق العمل تدريجيا اذ انخفضت نسبة البطالة خلال سنوات قليلة الى النصف أي من حوالي 11% الى 5%. زاد عدد فرص العمل حوالي 230 ألف شهريا مما سمح للاستهلاك بأن يرتفع وللطلب على العقارات بأن ينشط من جديد.

تحقق النمو الايجابي المعتدل بعد ان كان سلبيا في 2008 أي انخفاض للناتج المحلي الاجمالي بنسبة 2,6% ثم تحوله الى ايجابي بمعدل 2,5% في كل من السنوات التي تلت. تحقق كل ذلك مع تضخم منخفض لا يتعدى 2,5% وهذا يعتبر نجاحا اقتصاديا كبيرا لدولة تقود العالم في مسيرته. لا يمكن أن ننكر فضل السياسة المالية أيضا في النجاح، أي انفاق استثماري سخي نشط الاقتصاد الداخلي تماما كما أوصى الاقتصادي البريطاني الكبير "كينز" منذ عقود عديدة. قال "كينز" أن التقشف في زمن الركود سيء اذ يعمقه بدلا من أن يوقفه، وهذا ما فهمته أوروبا اليوم بعد تكلفة كبيرة دفعها الشباب والفقراء.

تفيد الفوائد المنخفضة الموازنة الأميركية أيضا، اذ أن الدين العام بلغ مستويات عالية أي 105% من الناتج وبالتالي خدمته مرتفعة. الموازنة عاجزة في حدود 530 مليار دولار، وبالتالي انخفاض الفوائد يخفض خدمة الدين أي يساعد ماليا. بعد ان تحسنت الأوضاع الاقتصادية، تغيرت السياسة النقدية الأميركية خوفا من أن يدخل التضخم الى جيوب وعادات الأميركيين. رفع المصرف المركزي الفائدة الأساسية 0,25% في آخر سنة 2015 وهو يتوقع رفعها مجددا عندما يطمئن الى عدم تأثير ذلك على النمو والبطالة. تقول حاكمة المصرف المركزي الأميركي "جانيت يللين" أن المخاطر الاقتصادية لم تعد داخلية فقط بل أصبحت عالمية أي أصعب في التقييم والتنبؤ.

الصين المحرك الأساسي للاقتصاد الدولي

ما هي المخاطر في رأيها والتي تؤثر على كيفية تحريك الفوائد من قبلها؟

أولا: التطورات الصينية حيث كانت الصين المحرك الأساسي للاقتصاد الدولي وها هي تتعثر في نموها لأسباب داخلية وعالمية.

ثانيا: أسعار المواد الأولية وهي في غاية الأهمية خاصة أسعار النفط والغذاء التي تدخل في صلب المؤشرات التضخمية.

ثالثا: تقول يللين أنها غير متأكدة من أن التصرفات أو التوقعات التضخمية قد خفت حقا، بل يمكن أن تكون مختبئة وربما تظهر بقوة وسرعة.

في منطقة اليورو، اعتمد المصرف المركزي السياسة النقدية نفسها واستطاع بفضل جهود الحاكم "ماريو دراغي" أن يعيد النمو الى المجموعة. تكمن المشكلة في عدم وجود سياسة مالية مشتركة أو واحدة كما هو الحال في الولايات المتحدة. كل دولة لها سياستها المالية المستقلة، وهذا يشكل عائقا أمام نجاح سياسات الانقاذ التي احتاجت وتحتاج اليها أوروبا. في كل حال وضع أوروبا اليوم أفضل من 2008 لكنها لم تتعاف كليا بعد. في أرقام صندوق النقد، سيبلغ النمو 1,6% هذه السنة مقارنة ب 2,2% للولايات المتحدة و 0,3% فقط لليابان. تختلف الأرقام كثيرا بين الدول الأوروبية، اذ من المتوقع أن يبلغ النمو هذه السنة 1,6% في ألمانيا، 1,5% في فرنسا، 0,9% في ايطاليا و2,6% في اسبانيا. الخطر الرئيسي القادم في أوروبا هي المشاكل المصرفية الايطالية التي ربما تعيد الاقتصاد الأوروبي كثيرا الى الوراء.

اقتصاد ياباني، كبير ومتطور

أخيرا، لم تختلف السياسات النقدية اليابانية أيضا عن ما سبق. اقتصاد كبير متطور كالياباني، لكنه لا ينمو كما يجب مما دفع بالرئيس "أبي" الى اعتماد سياسات مالية وهيكلية ونقدية سخية جديدة. نمو صفر في سنة 2014، 0,5% في سنة 2015 وأقل من ذلك هذه السنة وفي سنة 2017. ما يميز اليابان سلبا عن الولايات المتحدة وأوروبا، انها لم تستطع تحقيق النمو الكافي لأسباب هيكلية طويلة الأمد تدخل المواضيع السكانية والديموغرافية من ضمنها. يبقى أن نقول أن هنالك دولا اعتمدت سياسة سعر الصرف الثابت وبالتالي أراحت نفسها من عناء ادارة السياسة النقدية متكلة على رصانة السلطات التي ربطت نقدها بها. الخيارات دائما موجودة، ونوعية النتائج ترتبط حكما بها.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment