لا نمو من دون استثمارات

08/01/2016 - 09:22 AM

بقلم الدكتور لويس حبيقة

مشكلة اقتصادات اليوم أن الاستثمارات لم تعد تأتي كالسابق بكميات كبيرة وفي كل الأوقات. الأزمات المالية الحاصلة في الغرب تؤخر العمليات الاستثمارية. الفساد الحاصل في كل الدول يعيق التقدم ويمنع المستثمرين من رؤية الفرص المحتملة بشكل واضح. الارهاب والعنف والقتل والاجرام الذي يضرب كل الدول والمدن يضع الأهداف الاستثمارية في مراتب أدنى من الأمن والاستقرار الضروريان للحياة. الفساد الحاصل في كل القطاعات والدول، وخاصة مؤخراً بشكل علني في الرياضة يقتل براءة المنافسات التي من المفروض أن ترتكز فقط على الكفاءة والتحضير والجهوزية. كانت تحصل ثورات كبيرة عظيمة في الماضي تغير حكومات وأنظمة دون نقطة دم واحدة كالثورة التشيكية مع "فاكلاف هافل" مثلا. أما اليوم فنعيش في تخبط دولي معالمه غير واضحة واتجاهاته غير معروفة ومستقبله لا يدعو الى الارتياح والاطمئنان. فعلا يمر العالم اليوم، كل العالم، في ظروف لا يحسد عليها.

الاقتصاد الدولي

يقول الاقتصادي "لاري سامرز" أن الاقتصاد الدولي سيبقى كما هو عليه اليوم لسنوات طويلة أي بطيء لأسباب أربعة: ارتفاع الادخار العالمي وبالتالي عدم انتقال هذه الأموال الى القطاع الاستثماري، تدني نسبة النمو السكانية وارتفاع نسبة المسنين في المجتمعات مما ينعكس سلبا على الاستثمارات الجديدة، تخبط واضح بل ربما تراجع في التغير التكنولوجي وبالتالي في الانتاجية وأخيرا تدني قيمة السلع الاستثمارية في الناتج المحلي. يوافق معظم الاقتصاديين الدوليين "سامرز" على توقعاته بل يضيفون أن ما يحصل اليوم هو واضح وسيستمر وبالتالي انها ليست مرحلة انتقالية بل دائمة، مما ينعكس سلبا على النمو والبطالة الطويلة الأمد.

علمت الأزمات المالية المستثمرين أن يتنبهوا لأموالهم، أين يضعوها وفي أي وقت ودولة وبالتالي تطول فترة الانتظار قبل اتخاذ القرارات. تحقيق النمو اليوم أصبح أصعب بكثير من الماضي لأن عدد ونوعية الأفكار الجديدة قلت وبالتالي من أي يأتي هذا النمو؟ هنالك كتاب مهم للاقتصادي "روبرت غوردن" عن النمو الأميركي يقول فيه أن فترة المئة سنة بين 1870 و 1970 كانت سنوات الثورة الاقتصادية التي لم تتجدد في السنوات المئة التي تلت وربما لن تتكرر مستقبلا. غيرت فترة 1870 وما بعدها الحياة كما لم يحصل من قبل. كان التأثير ضخما ليس فقط على الاستثمارات وانما عى طريقة الحياة والمعيشة والاستهلاك، كل ذلك بفضل التجدد والابتكارات وطرق الانتاج الحديثة والتكنولوجيا.

عوامل سلبية مهمة لم تكن موجودة من قبل

أما فترة ما بعد 1970، فكانت في رأي "غوردن" مخيبة للآمال وباهتة اللون بسبب تداخل عوامل سلبية مهمة لم تكن موجودة من قبل، أهمها ارتفاع فجوة الدخل بين الشعوب، ضعف مستويات التعليم وعدم استفادة الجميع من الحد الأدنى منه، التغير الديموغرافي الكبير داخل الدول وفيما بينها، وارتفاع نسب الدين من الناتج في أكثرية دول العالم.

الفارق الأساسي الايضافي هو ضعف تأثير عمليات التجدد والابتكار على الحياة مقارنة بما كان يحصل سابقا أي ما قبل سنة 1970. يقارن "غوردن" نسب النمو بين فترتي (1920 2014) و (2015 2040) التي يبني عليها توقعاته العلمية تبعا لما يمكن أن يتبين له منذ الآن. تشير كل الأرقام الى انحدار نسب النمو والتقدم الى أقل من النصف بين الفترتين مما ينعكس سلبا على مستوى الدخل والأجور والانتاجية والبطالة. ينهي "غوردن" دراسته بالقول انه مهما تقدمت العلوم لا يمكن نسخ تجربة 1870 1970 الفريدة ليس فقط في أميركا وانما عالميا.

هنالك دولتان فريدتان اليوم في جذب الاستثمارات اليهما أي الصين والهند. في فترة 2011 2015، بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الى الهند 190 مليار دولار مقارنة بـ 123 مليار الى الصين. استفاد قطاع النقل من الاستثمارات في الهند وثم الالكترونيات والحواسب والمعلوماتية بالاضافة الى قطاع التكنولوجيا البيئية. أما الاستثمارات في الصين، فاستفادت منها القطاعات الثلاثة السابقة أيضا لكن بترتيب مختلف بل معاكس. في أسيا بعد الهند والصين، توجهت الاستثمارات الى أندونيسيا وفيتنام وباكستان. في المنطقة العربية في سنة 2015، حصلت مصر على المرتبة الأولى وثم السعودية والامارات والمغرب وجميعها اقتصادات كبيرة نسبيا. في دول أميركا اللاتينية، تصدرت المكسيك في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة تليها البرازيل والتشيلي والأرجنتين وبوليفيا.

الاستثمارات الأجنبية المباشرة

يقول "جوزيف ستيغليتز"أن هنالك عوامل عديدة توثر على توجهات الاستثمارات الأجنبية المباشرة. لا شك أن المخاطر مهمة لكن العائد مهم أيضا. مشاريع خطرة ذات عائد محتمل كبير تكون جاذبة للاستثمارات، ربما أكثر من مشاريع ذات مخاطر متدنية مع عائد خفيف. طالما أن المخاطر مغطاة بالعائد الكافي، تكون جاذبة تبعا لأوضاع المستثمرين من أشخاص وشركات ومؤسسات وصناديق وغيرها. في رأي "ستيغليتز، العوامل العامة المهمة من ناحية جذب الاستثمارات هي فجوة الدخل التي تؤثر مباشرة على الاستقرار الاجتماعي وبالتالي السياسي. هنالك تغيرات هيكلية قطاعية في الاقتصادات تؤثر على نوعية وكمية الاستنثمارات القادمة بالاضافة الى جودة البنية التحتية الموجودة.

تسهيل عمليات التمويل

لا شك أن فعالية القطاع المالي وتطوره مهمان جدا لنقل المخاطر بين العملاء الماليين وتسهيل عمليات التمويل. يبقى طبعا أن نقول أن مستوى التعليم والتطور التكنولوجي الداخلي مهمان جدا للنمو ولايجاد اليد العاملة المناسبة للمستثمرين. الاقتصاد الجيد هو الذي يعتمد في نفس الوقت على الكفاءات العلمية في كل القطاعات كما على اليد العاملة المنتجة المكملة والجيدة.

لماذا نسبة الدين العام من الناتج هي مشكلة استثمارية كبيرة تبعا للاقتصاديين الكبيرين "غوردن" و "ستيغليتز"؟

أولا: ارتفاع نسبة الدين تعني ارتفاع خدمته وبالتالي هنالك حاجة مع الوقت لزيادة الضرائب لتمويل هذه الخدمة. يؤثر هذا الواقع على فعالية الاقتصاد أي يضيف تكلفة لا يمكن تبريرها من ناحيتي التقدم والانتاجية وانما تكلفة مجانية.

ثانيا: الاستدانة من الخارج أصبحت عمليا حالة أكثرية الدول. عندها تذهب خدمة الدين العام أو قسم منها الى الخارج يتأثر سلبا مستوى المعيشة الداخلي. ارتفاع الدين العام مضر خاصة اذا مول مشاريع استهلاكية وليس استثمارية.

ثالثا: وجود دين عام مرتفع يقيد حرية الحكومة عندما تحتاج الى زيادة الانفاق لتمويل حاجات عامة مستجدة. هذا ما حصل في أكثرية الدول الأوروبية التي استدانت كثيرا واضطرت الى القيام بالتقشف القاسي لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار في الانفاق والاستدانة الى ما لا حدود.

رابعا: عندما يرتفع الدين العام ويزداد الاقتراض من الخارج والداخل، ترتفع الفوائد وتضيق فرص الاستدانة أمام القطاع الخاص كما ترتفع تكلفتها. ارتفاع الدين العام يؤثر سلبا على نمو القطاع الخاص وازدهاره وبالتالي على البطالة والنمو.

الناتج المحلي الصيني

أخيرا، تعاني الصين اليوم من ضعف نسب النمو التي وصلت الى 6%. لا شك أن الاستدانة المرتفعة هي من الأسباب الأساسية لهذه النتيجة. يقدر مجموع الديون بـ 5 ألاف مليار دولار أي نصف الناتج المحلي الصيني. لذا يمكن للنمو الصيني أن ينحدر أكثر اذا لم تعالج مشكلة الاستدانة. في الواقع تستدين الشركات في أوقات النمو القوي كما حصل في العقد الأخير في الصين وتواجه صعوبات كبيرة في تسديد هذه الديون عندما يتعثر النمو الاقتصادي العام. يأمل الصينيون بتحقيق نتائج ايجابية كبيرة من علاقاتهم مع أفريقيا وايران وبالتالي يتوقعون عائدا كبيرا من استثماراتهم وعلاقاتهم التجارية ويؤجلون التقشف الى أوقات أخرى أو يتجنبوه.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment