"أنت لا تحصل دائماًعلى ما تريده"

07/22/2016 - 18:12 PM

 

واشنطن - هشام ملحم

 

كان خطاباً قاتماً عكس فيه رؤيته الداكنة للأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة، وللأخطار التي تواجهها في العالم. بعد 13 شهراً حفلت بالمفاجأت والمناوشات وتخويف الاميركيين، خاطب دونالد ترامب الاميركيين للمرة الاولى بصفته المرشح الرسمي للحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة حيث عدّد مشاكل البلاد الداخلية وغالى كعادته بأخطارها لدرجة انه صور شوارع اميركا وكأنها ساحات معارك بين الشرطة ورجال العصابات، وكأن اقتصادها في حالة كساد ونخبتها السياسية والثقافية والاعلامية فاسدة في العمق، وانه آتٍ بمروحيته (وليس على حصان ابيض) لانقاذها وتحريرها. وبدا ترامب وكأنه يقول لطغاة العالم انه لن يهب للدفاع عن حلفاء اميركا التقليديين (الا اذا دفعوا الثمن المناسب) وانه لن ينتقد انتهاكاتهم لحقوق الانسان، لان الاوضاع الامنية داخل الولايات المتحدة ليست صحية للغاية ويجب ان تمنعها من القاء المحاضرات على الاخرين، وبأنه سيعتمد سياسة انعزالية أكثر من اسلافه، وانه سيحاول عدم التورط أكثر في نزاعات الشرق الاوسط.


خطاب #ترامب، وهو من اطول الخطب في تاريخ هذه المؤتمرات، تضمن كل عناصر رؤيته الداكنة لاميركا والعالم والتي رددها خلال السنة الماضية، وهي في معظمها سلسلة من المواقف والشكاوى العامة والتي يصيغها بطريقة مبهمة تعكس ضحالة فهمه للمشاكل الهيكلية الحقيقية التي تواجهها البلاد خلال فترة حافلة بالمتغيرات الداخلية والخارجية المعقدة. وكالعادة خلا الخطاب من أي حلول او مقترحات او خطط قابلة للتحقيق، لأن ترامب يطلب من مؤيديه ان يثقوا به وبقدراته العجائبية لحل مشاكل اميركا والعالم بقوة شخصيته وادارته الحديدية.

خطاب ترامب أكد انتصار ما يمكن وصفه بالانقلاب الذي بدأه قبل اكثر من سنة للسيطرة على الحزب الجمهوري بعد دحر قياداته التقليدية وبعضاً من "ارثوذوكسيته" الايديولوجية المتجذرة منذ قرن، مثل مفهوم "الاستثنائية" الاميركية، والايمان بجدوى واهمية اتفاقات التجارة الدولية الحرة، ونبذ العزلة، وضرورة بناء التحالفات الاستراتيجية الدولية (وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية) لدعم المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية في العالم، ودعم حقوق الانسان، وغيرها من القيم التي كانت تورط اميركا بين وقت وآخر في حروب مكلفة ويستحيل الفوز فيها.
وبعدما اشار الى "صور العنف في شوارعنا والفوضى في احيائنا"، اضاف " لدي رسالة لجميعكم: الجرائم والعنف الذي تعانيها بلادنا اليوم سوف تنتهي قريبا. ومع حلول العشرين من كانون الثاني 2017 سوف يستعاد الامان". وطرح ترامب نفسه منقذا "للمنسيين" في المجتمع مثل العاطلين عن العمل قائلاً: " أنا صوتكم"، ولكنه لم يقترح أي خطة عملية لمساعدة المحتاجين، قبل ان يشنّ حملة قاسية ضد نظام الهجرة، وتحديداً اخطار الهجرة غير الموثقة، وحتى الهجرة الشرعية التي قال انها حرمت الاميركيين من فرص العمل. وجدد تصميمه على بناء جدار عازل بين اميركا والمكسيك. وفي هذا السياق قال ترامب عن السماح بدخول الاف اللائجين السوريين "على الرغم من عدم وجود آليات للتحقق من خلفية اللاجئين او من أين اتوا" وهو ادعاء باطل لان فترة التحقق من خلفية اللاجئين تمتد بين 18 و24 شهراً. كما بالغ ترامب بعدد العائلات التي دخلت الولايات المتحدة من المكسيك بشكل غير شرعي. كما كرر ترامب اتهاماته لادارة الرئيس اوباما بانها اعطت ايران مبلغ 150 مليار دولار بعد التوقيع على الاتفاق النووي معها، وهي اتهامات مبالغ فيها كثيراً، لان اميركا لم تعط ايران أي اموال بل افرجت عن مبالغ متواضعة من عائدات ايران المجمدة في المصارف الاميركية منذ سنوات عديدة وان ما افرج عنه من اموال هو نسبة صغيرة من هذه العائدات، عدا عن ان معظم الخبراء والمختصين يقولون ان ايران في نهاية المطاف قد تستعيد ما بين 50 و60 مليار دولار بعد تنفيذ الاتفاق بكل بنوده.
ومع ان ترامب كرر انتقاداته لسياسات اوباما في الشرق وركز بالتحديد على دور منافسته مرشحة الحزب الديموقراطي هيلاري كلينتون، عندما كانت وزيرة للخارجية في مقتل السفير الاميركي في ليبيا كريس ستيفن و3 من رفاقه، كما انتقد سياسة اوباما وكلينتون تجاه سوريا والانتفاضات العربية، الا انه لم يكرر دعوته لحرمان المسلمين القادمين من دول ترعى الارهاب او تنشط فيها قوى ارهابية اسلامية من دخول الولايات المتحدة.
وكما كان متوقعاً شنّ ترامب هجوماً قاسياً ضد كلينتون كرّر فيه القول انها خالفت القانون عندما وضعت في منزلها محركاً خاصاً لادارة بريدها الالكتروني الخاص خارج اشراف وزارة الخارجية وركز فيه على اخطائها في ليبيا. ورسم صورة قاتمة للعالم بعد وصول كلينتون الى وزارة الخارجية. وقال: "في 2009 وفي حقبة ما قبل هيلاري، داعش لم يكن حتى على الخريطة. وليبيا كانت متعاونة معنا، ومصر كانت في حالة سلام، والعراق يشهد انحساراً في مستويات العنف. وكانت العقوبات تخنق ايران. وكانت سوريا تحت السيطرة". واضاف ترامب انه بعد 4 سنوات من وجود كلينتون في وزارة الخارجية ما الذي حدث؟ وجاوب نفسه " انتشر داعش في المنطقة وفي العالم. ليبيا في حالة دمار، وسفيرنا وموظفوه قتلوا على ايدي قتلة متوحشين. وتم تسليم مصر الى حركة الاخوان المسلمين المتطرفة، الامر الذي ارغم الجيش على استعادة السيطرة. والعراق في حالة فوضى". واضاف ان "ايران في طريقها لان تصبح دولة نووية. وتعصف الحرب الاهلية بسوريا، وخلقت ازمة لاجئين تهدد الغرب الان". وفي اشارة لافتة لانها شملت انتقاداً لادارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، قال ترامب: " بعد 15 سنة من الحروب في الشرق الاوسط، وبعد انفاق ترليونات الدولارات وخسارة الاف الارواح، فان الوضع هناك أسوأ من أي وقت مضى". واعتبر ترامب ان هذه المشاكل والحروب تمثل " تركة هيلاري كلينتون: الموت والدمار والضعف، ولكن تركة هيلاري كلينتون يجب ان لا تكون تركة اميركا".
وكان خطاب ترامب نهاية لاربعة ايام حفلت بالخلافات الداخلية واستمرار النزاع بين ترامب ومنافسه الجمهوري السناتور تيد كروز الذي رفض تأييد ترامب، وكذلك باللحظات الحرجة، وبخاصة بعد الكشف عن عبارات وجمل بكاملها في خطاب ميلانا ترامب، زوجة المرشح قد اقتبست او انتحلت من خطاب لميشيل اوباما زوجة المرشح باراك اوباما في 2008. وقبل منتصف الليل اسقطت الاف البالونات الملونة من سقف القاعة على المؤتمرين الذين كانوا يتمايلون على انغام اغنية لفرقة الرولينغ ستونز البريطانية بعنوانها الذي حمل دلالات كبيرة:" انت لا تحصل دائماً على ما تريده".

 

النهار

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment