الركائز الاقتصادية لداعش

07/01/2016 - 11:30 AM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

لم يعد ممكنا تجاهل موضوع "داعش" والمنظمات الشبيهة كـ "النصرة" وربما أيضا "القاعدة" وان يكن هنالك فوارق واضحة في العقيدة والممارسة والأهداف السياسية والاجتماعية. حكما لن يكون ممكنا لهذه المنظمات أن تستمر وتقوم بالعمليات التي قامت وتقوم بها لولا توافر تمويل كاف ومؤكد يؤمن لها الاستمرار كما التجهيزات الكافية للتنفيذ. أهداف "داعش" واضحة عبر الرغبة في تأسيس دولة خلافا لتنظيم القاعدة، كما أن ممارسة العنف الذي نشهده بوتيرة متزايدة هذه الأيام الأخيرة في تركيا ولبنان وقبلها في دول أوروبية عدة يدعو للتساؤل حول القدرة وما تخبؤه الأيام القادمة لنا جميعا.

هدف "القاعدة" كان محاربة الغرب، أما هدف داعش هو تأسيس الدولة وضرب قلوب الدول أينما كانت وأيا تكن هويتها. بالرغم من جهوزية كافة الاستخبارات العالمية، يؤكد الجميع عدم وجود ضمانات حماية تجاه من يفجر نفسه ضمن مجموعة بريئة من الناس ذاهبة للسياحة أو التبضع أو الاستشفاء أو غيرها. نعيش اليوم دوليا في ظروف لم نعرفها من قبل لا في عنفها ووسائل تمويلها وقدرتها على التحرك حتى في أفضل الدول حماية واستخباراتية كتركيا.

منطقتنا العربية هي المعرضة الأكثر للتقلبات والعنف

من الطبيعي القول أن من يدير داعش ليس هاويا أو ليسوا مجموعة من الهواة، بل أشخاص لهم القدرة والمعرفة والتواصل الكافية جميعها لتحقيق الأهداف. ربما تتواجد القيادات الداعشية في منطقتنا وربما خارجها حتى في القلب الغربي الرأسمالي. لا شك أن منطقتنا العربية هي المعرضة الأكثر للتقلبات والعنف حيث تشكل أيضا منبعا بشريا لهذه الجماعات الخطيرة. لا شك أن الخطر الأكبر الذي يهدد منطقتنا اليوم هي قدرة هذه الجماعات على الوصول الى أهداف تصيب من خلالها الأمن القومي والبحبوحة الاقتصادية والسلم الاجتماعي كما الأهلي. قدرتها تكمن أيضا في معرفتها للمنطقة وحيازتها على الوسائل المادية التي تمكنها من الانتقال عبر الحدود بين الدول العربية، حدود لا تعترف هي بها أصلا وتريد الغاءها كمرحلة في طريق تأسيس دولة "الخلافة" بكل الطرق العنفية الممكنة.

اعتماد العنف ليس فقط ضد البشر أيا كانوا وربما هنالك بين الضحايا مؤيدين لأفكار داعش. المهم هو بث الذعر في المجتمعات مما يمكن التنظيم من الوصول الى أهدافه بأقل جهد أو تكلفة ممكنة. نجاح داعش في تحقيق بعض الأهداف ربما يعود أكثر الى ضعف المواجهة مما يعود الى قوتها الذاتية. يدمر التنظيم الداعشي الانشاءات التاريخية الموروثة عبر ألاف السنين ضمن الجغرافيا التي يتواجد فيها خاصة في سوريا والعراق. يشن حرب عنيفة على التاريخ والدين والأديان والثقافات بكل الوسائل العنفية الممكنة والمتوافرة.

اختراق الحدود والعوائق أمامها

كيف استطاعت داعش عمليا تحقيق أهدافها حتى اليوم؟

أولا: تملك ثلاث ركائز حربية مكنتها من اختراق الحدود والعوائق أمامها. وضعت اليد على ما استطاعت من تجهيزات أميركية في العراق كانت مقدمة للجيش النظامي وهي مؤلفة من الصواريخ والدبابات والمدافع وكافة أنواع الذخائر والأسلحة. لها قدرة كبيرة على التحرك عبر مجموعات قليلة من العقائديين الذين يتنقلون بسهولة عبر الحدود كما شهدنا في بلدة القاع اللبنانية منذ أيام. القدرة الأساسية تكمن في وجود انتحاريين راغبين في احداث الضرر والقتل عبر مشاهد وطرق لا قدرة للمواطن العادي حتى على مشاهدتها في وسائل الاعلام المرئية.

ثانيا: تتقن داعش استعمال الاعلام كما وسائل التواصل الاجتماعي بمهارة مما يشير الى وجود كفاءات متخصصة بين صفوفها غير موجودة بالضرورة من منطقتنا. تنشر الخوف والرعب والتهديدات عبرها وبالتالي تؤثر على السياسة والاقتصاد والنمو والاجتماع والمستقبل. لا يمكن لأي دولة أن تدعي أنها بمنأى عن تأثيرات داعش وانها قادرة على مواجهتها. ما نسمعه دوليا كلام تطمين غير مقنع حتى للذين يقولونه.

ثالثا: تملك داعش قدرة اقتصادية ومالية مهمة عبر سيطرتها على منابع نفط وبيع منتجاتها بأسعار محسومة، كما عبر القيام بعمليات خطف وسيطرة على مؤسسات مالية ومصرفية وفرض الضرائب في المناطق التي تسيطر عليها. قبل سيطرتها على الموصل في حزيران 2014، كانت داعش تملك 875 مليون دولار من الأصول. خلال 3 أشهر فيما بعد، قدرت ثروتها ب ملياري دولار. تشير التقديرات الى ايرادات سنوية تصل الى 500 مليون دولار يأتي معظمها من بيع ما بين 34 و 40 ألف برميل من النفط يوميا. هنالك تقديرات أخرى تختلف، اذ أن هذه الأمور تتم بغاية السرية خصوصا من ناحية نقل النفط الى الشاري والحصول على الايرادات نقدا حكما. هل كل هذا كاف لتمويل عملياتها أم هنالك تمويل آخر رسمي أو غير رسمي يأتي من أمكنة ما في الخارج؟ هل هنالك غض نظر تجاه التمويل من قبل مؤسسات ما مساعدة لداعش على تحقيق أهدافها لغايات في نفس يعقوب؟ وحده المستقبل سيجيب على هذه الأسئلة الكبيرة.

رابعا: داعش ليس تنظيما عقائديا عاديا اذ له امتدادات داخل المجتمعات العربية وخارجها. الذين قاموا بعمليات مطار اسطنبول هم من دول الاتحاد السوفياتي السابق، كما أن مئات المنضمين الى التنظيم ليسوا من أصول اسلامية خاصة الآتين من بريطانيا وفرنسا وبلجيكا. قوة التنظيم تكمن في امتداده البشري وقدرته على التحرك بصمت والتنفيذ بقوة وعمق مهما كانت التكلفة وكبرت الحواجز. تكمن قوته في ارتكازه على عقيدة تجذب بعض الشباب والشابات في مجتمعات متنوعة ومن أصول مختلفة. نلاحظ مؤخراً ارتفاع أعداد المنضمين الى التنظيم في ظل رقابة كل استخبارات العالم.

في كل حال، أظهرت داعش حتى اليوم قدرة على التحرك ضمن مخطط تقرره وتتمكن من تنفيذه. هنالك ادارة للتنظيم واعية لما تريد ولا تغامر في عملياتها بل تحاول اصابة ما تعتبره عدوا لها ولعقيدتها.

مواجهة هذا التنظيم؟

كيف يمكن للمجتمع الدولي مواجهة هذا التنظيم الذي يؤثر على الاقتصاد والنمو والبطالة والاستقرار الاجتماعي العام؟

أولا: من الضروري أن تكون الدول العربية هي دول المواجهة ضد داعش وليس الغرب أو الولايات المتحدة تحديدا. هنا تكمن ضرورة التنسيق الجدي على كل المستويات العملية وبين الدول العربية وليس الكلامية والعاطفية فقط. فالهوية العربية الاسلامية تمكن دول المنطقة من تحقيق أهدافها بسهولة عملية أكبر.

ثانيا: يجب أن تنضم الى الدول العربية جميع الدول الاسلامية بما فيها باكستان وايران بحيث يكون الجهد المشترك فاعلا لضمان النجاح في هدف مشترك. التنسيق مهم جدا لمعالجة الامتداد البشري والمادي والمالي للتنظيم.

ثالثا: هنالك قناعة دولية تقول بأن الانتصار على داعش لا يمكن أن يكون عسكريا فقط، بل سياسي واقتصادي وديبلوماسي واعلامي وشعبي. هنا تكمن صعوبته، بل يفسر ركائز استمراريته ونموه مؤخرا. الضغط المالي مهم جدا لوقف "الأوكسيجين" عن العمليات وبالتالي يخف الضغط الأمني على المجتمع الدولي. لذا من المهم منع بيع النفط أو جعله أصعب بكثير وهذا ممكن اذا كانت هنالك رغبة في ذلك.

رابعا: يجب معالجة أسباب الانضمام الى داعش ليس فقط عربيا وانما عالميا. يجب النظر الى برامج التعليم الديني وغيره كما الى الأوضاع الاجتماعية للمنضمين الى التنظيم لمعالجة مشاكل المصدر ودرس أسباب الرغبة في الانضمام اليه. يجب النظر الى الأوضاع المادية للمناطق التي تغذي داعش بشريا، اذ هنالك مشكلة أو نقص أو تقصير ما يمكن معالجتها لتجنب خسارات أكبر مستقبلية على كل المستويات وفي كل المناطق.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment