هجرة الآلهة والمدائن المجنونة" تقرن اللحظة الآنية بالفعل الروائي المحبوك

06/27/2016 - 12:45 PM

 

الدكتورة ناتالي الخوري غريب

 

كتب سليم ط. عنتوري

لولا العنوان الفرعي، لظنَّ القارىء أن "هجرة الآلهة والمدائن المجنونة" (دار سائر المشرق) للدكتورة ناتالي الخوري غريب، ليست رواية، بل كتاب تأملات يتمحور من بدايته حتى نهايته، حول التدخُّل الإلهي في الفعل التاريخي من جهة، و"التقاعس الإلهي" من جهة ثانية، عن تلبية نداء استغاثة شعبٍ بكامله، هو في الرواية الشعب السوري، لكنّ الحوار بين الشخوص، يبرِّر هذيْن التدخُّل و"التقاعس" حتى يكتمل المصير المحتوم لكل شخص على وجه الأرض.

وأكثر ما يشدّ بالقارىء إلى التمسُّك بالرواية حتى صفحاتها الأخيرة، المأساة المجسَّدة بعائلة رجل الدين، الذي كاد يكفر بالرحمة الإلهية. إلّا أنّ تمسُّكه بالحياة وسط ويلات الحرب السورية، وبالتالي بعائلته التي نعرف لاحقًا أنّها لاقت مصيرًا أسود لا تخلو منه أيُّ حرب، يُلحق به شرخًا وجدانيًّا، يعجز الحبُّ ذاته عن مداواته. فقد اصطدمت المثالياتُ بالواقعٍ المرٍّ، وأحلامُ السياسة الرومنطيقية، بقسوة المنطق المصلحي والأناني في آنٍ واحد.

 تتدرّج وقائعُ الفعل الروائي تدرُّجًا يحمل القارىء على الظنّ أنه يُشاهد فيلمًا سينمائيًّا أبدعت الدكتورا ناتالي الخوري غريب في نقل أدقّ جزئياته وتفاصيله حتى المملّة منها. فإذا تخلّى الكاتبُ عن مهمةٍ كهذه، فأين تكمن مهمته إذًا؟ الكتَّاب ولاسيّما الروائيون منهم، يُصوّرون بأقلامهم ما تعجز العينُ عن رؤيته وملاحظته، والعقلُ عن تشريحه والتدقيق فيه. هذه واحدة من المهمّات الصعبة التي تصدّت لها رواية "هجرة الآلهة والمدائن المجنونة"، بحنكةٍ تُبعدُ عن الراوي شبهة التحيُّز، وتمنحه بالتالي شرف قول الحق، من وجهةِ نظره على الأقل، حتى في هذه الفترة الحالكة من تاريخ لبنان ومحيطه.

 وقد تكون ناتالي الخوري غريب، على ما أعتقد، أوّل مَن تصدَّى لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في إطار روائي. وهذه إيجابيَّة تُسجَّل في رصيدها. فقبل "هجرة الآلهة والمدائن المجنونة"، كان (داعش) وما زال واحدًا من "الأبطال السلبيين" للمرحلة التاريخيّة الراهنة، ومع صدور هذه الرواية، يتدخّل هذا "البطل" في التحكُّم بالمصائر، كما حصل ويحصل مع الأيزيديين وسواهم، وفي رسم مصائر أبطال الرواية. فقد قرنت الكاتبة بين الحدث الحيّ المتواصل في بضعة بلدان، وبين المصائر التي خرجت عن إرادة أصحابها. تبدو النهاياتُ مفجعةً لهؤلاء الأشخاص، لكنّها في الواقع النهايات المنطقية لأبطال لا يُجسِّدون في الحقيقة، سوى شرائح من المجموعات المتحاربة على امتداد مساحة لهب ما يُسمّى "الربيع العربي". نهاية أحد أبطال الرواية على سبيل المثال، لا تختلف إلّا في بعض التفاصيل التافهة، عن نهاية أيّ مقاتل إلى أيّ جهةٍ انتمى. وحدةُ مصير مختومةٍ بالدم، استخرجتْها الكاتبة من دقّة ملاحظة تحمل على القول إنها مارست فعل المراسل الصحافي، إنّما برقيّ كاتبٍ كان شغله الشاغل، على امتداد صفحات الرواية، نَحْتَ المأساة نموذجًا لحيوانيةٍ لا يُكرّرها التاريخ إلّا مرةً كلّ الف عام. هذا ما رمت إليه الكاتبة بقولها: "لو لم يكن للحب هذا المفعول العجيب، لما استمرَّت البشرية على الرغم من هذه الأهوال" (ص 72).

 لو شئتُ الإسهاب في الحديث عن "هجرة الآلهة والمدائن المجنونة" لما استطعتُ أن أتوقف. لكن المقالة المقتضبة تحتّم الإتجاه إلى خاتمة الرواية التي تختزن بعضًا من التشابه الخلّاق مع السطور الأخيرة لرواية توفيق يوسف عواد "طوحين بيروت". ألسنا نجاهر بتمدُّد أغصان شجرته حتى الآن، على رغم مضيّ 27 عامًا على رحيله قتلًا، هو أيضًا، على غرار بعض شخوص الرواية والإطار العام لوقائعها؟

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment