حتمية التنويع الاقتصادي

06/23/2016 - 10:15 AM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

يتبين أكثر فأكثر أن الدول التي يتكل اقتصادها على المواد الأولية لا تتمتع بالاستقرار المطمئن للشعوب خاصة على المدى الطويل. ارتفاع الأسعار من نفط ومعادن وسلع غذائية على مدى عقود أفاد مرحليا تلك الاقتصادات، لكن أضرها على المدى البعيد كما يظهر جليا اليوم في دول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من الاقتصادات النفطية أهمها فينزويلا.

المسيرة طويلة وشائقة

الاستمرار في تقديم كل الخدمات صعب عندما يتدنى سعر المادة، وما نشهده بشأن فينزويلا وفقدان أهم السلع الغذائية والاستهلاكية من المخازن ومحلات البيع محزن ويدعو للعجب تجاه سرعة تدهور الأوضاع. هل مشكلة فينزويلا نفطية أم ادارية حيث يتفشى الفساد في السياسة والادارة؟ يتبين أكثر فأكثر أن القطاع النفطي لا يمكن أن يكون ذلك القطاع الذي يستوعب العمالة المتزايدة في الداخل كما عبر الاستيراد. أهمية النفط تكمن في توسيع قطاعات أخرى كالانشاء والصناعة والخدمات التي تستوعب العمالة وتسبب النمو الاقتصادي.

كيف يمكن للدول النفطية أن تفك ارتباطها القوي بأسعار النفط علما أن المسيرة طويلة وشائقة والجميع يعلم ذلك. رؤية 2030 السعودية مهمة جدا في محتواها وأهدافها وشمولها ووسائل تنفيذها، الا أن المطلوب أيضا أن تنفق أكثرية هذه الأموال على تحسين أوضاع الشعب مباشرة وسريعا عبر تطوير التعليم والصحة وكافة الحاجات الاجتماعية بالاضافة الى البنية التحتية التي تحتاج دائما الى الاستثمار والصيانة.

تبعا لاحصائيات صندوق النقد، ينحدر النمو السعودي السنوي من معدل 4,3% في فترة 2000-2012 الى متوقع قدره 1,2% لهذه السنة و 1,9% لسنة 2017. بالنسبة لدول مجلس التعاون ككل، ينحدر النمو من 5,1% سنويا لفترة 2000-2012 الى 1,8% و 2,3% لسنتي 2016 و 2017. المطلوب العودة الى النمو القوي مع أسعار نفط منخفضة أي أسعار اليوم.

توزع النشاط الاقتصادي

تختلف قيمة الناتج الفردي داخل الدول المصدرة للنفط تبعا لحجم الاقتصاد وتوزع النشاط الاقتصادي كما تبعا للقوانين والأنظمة المتبعة وغيرها من العوامل. تختلف القيمة بين 1574$ لليمن و 93990$ لقطر مرورا ب 5406$ للجزائر و 42944$ للامارات. هنالك اذا دول غنية وأخرى فقيرة كما هنالك دول تتكل أكثر من غيرها على الايرادات النفطية. في الجزائر والامارات 60% من الايرادات الحكومية نفطية مقارنة ب 80% للكويت والسعودية. المطلوب طبعا تخفيف هذه النسب أيا كانت، حفاظا على الاستقرار العام والسلامة الاقتصادية والمالية. تكمن مشكلة العالم العربي في اعتماده القوي على النفط ليس فقط في الانتاج والصادرات وانما في التحويلات من العاملين في القطاع. المعروف أن لبنان والأردن ومصر والسودان وغيرها تعتمد بشكل أساسي على تحويلات العاملين في الخليج مما يؤكد على ترابط المصير الاقتصادي في السراء والضراء. في كل حال، نرى أن نسب النمو ترتفع وتنخفض بشكل متواز بين الدول العربية المصدرة للنفط والمستهلكة له.

المغرب المعتمدة أصلا على الفوسفات

عربيا هنالك دولة نجحت في تنويع اقتصادها وهي المغرب المعتمدة أصلا على الفوسفات. نقلت اقتصادها من الاعتماد على قطاعات بدائية الى أخرى متطورة ذات قيمة مضافة عالية رفعت نسب النمو الى حدود 4,7% في سنة 2014. لعقود خلت، كان الوضع الاقتصادي المغربي مرتبط مباشرة بسعر الفوسفات، ان ارتفع تحسنت الأوضاع وان تراجع ساءت الظروف وهلم جرا. هذا طبعا خطر وغير مقبول وتنبهت له الحكومات المغربية، الا أن التنفيذ لم يبدأ عمليا الا في سنة 2008 حيث وضعت الحكومة خطة للتنويع وتخفيف المخاطر ودعم الاستقرار. من هنا وبين سنتي 2010 و 2014، تراجعت نسبة الفوسفات من الصادرات أكثر من 4% بينما ارتفعت الصادرات الصناعية من سيارات والكترونيات وقطاع الطيران أكثر من 8% الى 28% من المجموع. نوعت المغرب جغرافية أسواق الصادرات حيث تراجعت الى منطقة اليورو من 69% الى 56% وزادت الى أميركا اللاتينية من 3% الى 7%.

ارتفعت حصة قطاع الخدمات في الناتج المحلي من 40% الى 55% في الفترة نفسها. نجحت المغرب في تطوير أسواقها المالية وقطاعها السياحي حيث يزورها سنويا أكثر من 10 ملايين سائح يستفيدون من معالمها وخدماتها وانفتاحها الاجتماعي على كافة الحضارات والثقافات والحاجات. لا شك أن مشكلة البطالة تبقى موجودة في حدود 10% من اليد العاملة وأكثر بين الشباب بسبب سوء التجانس بين انتاجية العامل وحاجات القطاعات الجديدة الى كفاءات أخرى. فالزراعة تشكل 14% من الناتج وتوظف 45% من اليد العاملة، مما يدل على ضعف الانتاجية وسوء التنويع الانتاجي. نجاح المغرب مهم وان يكن نسبيا وفي بدايته، الا أن الجهود المستثمرة كبيرة وفي الاتجاه الصحيح. اذا نجحت المغرب، فلماذا لا تنجح الدول العربية الأخرى من نفطية وزراعية ومعدنية؟.

بمستوى أفضل وببحبوحة نوعية مستقرة وغير متقلبة

في الحقيقة، ما تحتاج اليه دول المنطقة هو رفع الانتاجية التي وحدها تخلق النمو على المدى البعيد وتسمح للشعوب بالعيش بمستوى أفضل وببحبوحة نوعية مستقرة وغير متقلبة. المطلوب رفع انتاجية الشركة والعامل والقطاع العام حتى يتفاعل الجميع فيما بينهم لمصلحة الاقتصاد ككل. كيف ترتفع الانتاجية؟ هل نحن قادرون على الفوز في هذا التحدي علما أن أوضاع كل اقتصاد تختلف من دولة الى أخرى؟

أولا: تحتاج دول المنطقة الى مناخ أعمال أكثر تنافسي يجذب الاستثمارات. من أهم ركائزه الانفتاح التجاري والمالي على الخارج حتى لا يقلق المستثمرون الحاليون والمحتملون فيذهبون الى مناطق أخرى. من ركائزه وجود قضاء مدني وتجاري وتحكيمي فاعل وسريع وعادل وغير مكلف. تبقى المنطقة العربية الأكثر تقلبا في العالم وبالتالي تحمل مخاطر مرتفعة. الا أننا تعلمنا من أبسط كتب العلوم المالية، أن المخاطر المرتفعة تجلب عائدا مرتفعا وبالتالي يجب ادارتها بالطرق العلمية والواقعية المدروسة.

ثانيا: لا بد من خلق أسواق مالية فاعلة ليس فقط في دول مجلس التعاون الخليجي وانما على صعيد المنطقة ككل. هذا مهم اليوم في ظل حاجة الدول جميعها الى تمويل ميزانياتها العامة بعد تدني أسعار المواد الأولية. الأسواق المالية الفاعلة والشفافة تحتاج الى مؤسسات وقوانين وأدوات تسمح بنقل الأموال من المدخرين الى المستثمرين.

ثالثا: تطوير البنية التحتية عبر الانشاء والتطوير. نقصد هنا الطرق والمطارات وأيضا الاتصالات ووسائل النقل داخل الدول وفيما بينها. تطوير السرعة عبر التقنيات الحديثة ونشرها عربيا هو المطلوب.

رابعا: أسواق العمل غير المقبولة لا في مؤسساتها ولا في شروطها ومنافعها، أهمها درجة احترام حقوق العامل ومنافعه خلال العمل وبعده من ناحيتي التقاعد وشروط الصرف والمحاكم المتخصصة والسريعة والعادلة. نحتاج عربيا الى يد عاملة ماهرة لا تأتي فقط من الجامعات وانما خاصة من المدارس المهنية والتقنية ذات النوعية العالية. انتقال الاقتصادات من وضعها اليوم الى أخرى ذات انتاجية مرتفعة لا يقتصر فقط على استيراد التكنولوجيا المتطورة وانما على وجود يد عاملة متعلمة متخصصة ذات كفاءة عالية تحسن استعمالها.

خامسا: تنويع الاستثمارات الدولية الممولة نفطيا. بيع أسهم من "أرامكو" هو في الطريق الصحيح ليس فقط ماليا وانما أيضا لجلب الشركات والمهارات المتخصصة التي تصبح مالكة للشركات العربية. الاستثمار القطري في فرنسا وغيرعا أي في النوادي الرياضية وصناعات الألبسة الرائدة ك"بالمان" هو مهم على أن تستثمر الأرباح في اقتصادات المنشأ. طبعا تبقى دبي مضرب مثل للنجاح التنويعي في منطقة ما زالت تغرق في التحديات الصعبة المختلفة.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment