لن ننسى مشكلتي العجز والدين

06/05/2016 - 08:15 AM

بقلم الدكتور لويس حبيقة

العالم منشغل في أمور كثيرة وكبرى تهدد النظام الاقتصادي العالمي، وبالتالي نسي أو تناست حكوماته مشكلتي العجز المالي والدين العام. قال "ألكساندر هاملتون" أحد مؤسسي الولايات المتحدة أن الدين العام المعقول هو نعمة وليس نقمة، والعكس صحيح طبعا. لم يحدد هاملتون حجم الدين العام الذي يقبله، لكنه حتما لم يكن ليقبل بنسبة دين عام توازي 105% من الناتج الأميركي أو 60 ألف دولار لكل أميركي.

اليابان مثلا مع 250% على معظم الدول

هذا هو الدين الأكبر في العلم، لكن النسبة حتما ليست الأعلى من الناتج حيث تتفوق اليابان مثلا مع 250% على معظم الدول. هنالك مشكلة يجب أن تعالج ليس فقط على المستوى الأميركي، وانما على العالمي أيضا.

منطقة اليورو كمجموعة ليست أفضل من هذه الناحية وتعاني من عجز ودين. تكمن مشكلتا العجز والدين في خطورتهما التي تتعدى الموضوع المالي لتصل الى الادارة والقضاء والانتاجية والسياسة، وبالتالي حلهما معقد ويتطلب ذهنية مختلفة تعجز معظم الحكومات عن اعتمادها.

هنالك تحول كبير حصل في الولايات المتحدة بدأ من سنة 2002. أنهى كلينتون عهديه في سنة 2000 مع فائض في الموازنة واستمر هذا الواقع في السنتين الأولتين من عهد بوش وحصل عجز قدره 3,5% في سنة 2003. ماذا حصل وكيف يفسر هذا التحول الكبير في دولة معروفة بفعالية مؤسساتها؟

أولا: سقطت الأسواق المالية بدأ من سنة 2000 خاصة شركات التكنولوجيا وبورصاتها "نازداك"، مما سبب سقوطا في ايرادات المالية العامة.

ثانيا: حصل ركود عام في الاقتصاد الأميركي أي انخفاض في أرباح الشركات والدخل العام وبالتالي في الايرادات الضرائبية. كما خفضت ادارة بوش الضرائب على الأغنياء كي يستثمروا لكنهم لم يفعلوا. نضيف الى ذلك ارتفاع الانفاق العسكري بسبب الحرب في العراق التي كلفت أكثر بكثير من التوقعات، وبالتالي ساهمت في انهيار الدول وحكومات المنطقة دون أن نصل حتى اليوم الى استقرار بالمعنى الحقيقي للكلمة. لا شك أن الانفاق غير العسكري وخاصة الصحي ارتفع كثيرا بسبب الهدر وسؤ الممارسة من قبل الجميع. لم يستطع المجتمع الأميركي حتى اليوم ايجاد حل للانفاق الصحي الأعلى في العالم.

بداية "الركود الكبير"

في بداية عهدي أوباما، ارتفع العجز بسبب الضخ المالي الذي أقر لتحفيز الاقتصاد مع بداية "الركود الكبير" في سنة 2008. مع بداية النهوض الاقتصادي وتواصل النمو وان يكن متواضعا، انخفض العجز السنوي لكن مشكلة الدين لا زالت قائمة بسبب الحاجة الى الانفاق وصعوبة زيادة الضرائب في ظروف متقلبة كالتي يعيش فيها المجتمع الأميركي. يقول الاقتصادي "لافير" أن رفع النسب الضرائبية خاصة في ظروف ضيقة يؤدي الى انخفاض الايرادات الضرائبية بسبب زيادة التهرب الضرائبي. يجب أن نعلم أن أكبر مستثمر في سندات الخزينة الأميركية هي الصين وثم اليابان وتليهما مجموعة الدول المصدرة للنفط.

تعاني دول مجلس التعاون الخليجي اليوم من عجز مالي بسبب انخفاض أسعار النفط، فتقوم بالاستدانة من الأسواق المالية. الموضوع يهم الجميع دون أن يعني ذلك أن العجز دائما سيء وأن الدين العام كارثة، بل العكس يمكن أن يكون صحيحا. لبنان في عجز مالي ودين عام متفاقم منذ عقود، ولا نملك الحل اليوم لأن الظروف الحالية صعبة وتتطلب تماسك المجتمع بالاضافة الى الحاجة للانفاق في الداخل على الجميع. ما هي أهم مبررات وفوائد حصول العجز وبالتالي تراكم الدين العام؟ العجز ليس قضاء وقدر، فهو خيار حكومة ومجتمع يسعيان للاستثمار في المستقبل واشراك المصارف والموطن به؟.

أولا: أهمية تمويل المشاريع الضرورية للمجتمع والاقتصاد والتي لها عائد مالي واقتصادي واجتماعي ايجابي. الاقتراض أو الانفاق لتمويل مشاريع كهذه مقبول بل مرغوب به لأن العائد على المدى البعيد سيكون حتما مفيدا للمجتمع. من هذه المشاريع نضع البنية التحتية والمدارس والمستشفيات التي تكلف على المدى القصير لكنها حيوية على المدى البعيد.

ثانيا: الاستقرار العام الذي ينتج عن اقامة مشاريع تطمئن المواطن الى مستقبله. الاقتراض والتسديد على سنوات عدة يريح المجتمع وبالتالي يستفيد من الاستثمارات دون أن يرهق نفسه بالضرائب والتعريفات المرتفعة. نعلم جيدا أن الاستقرار الاقتصادي يجلب الاستقرار السياسي الضروري للاستقرارين الأمني والاجتماعي. الانفاق للوصول الى الاستقرار وتعزيزه هو جيد بل يدعم تماسك المجتمع ضمن وجهات النظر التي يمكن أن تختلف من حين لآخر.

ثالثا: طريقة التمويل مهمة جدا منها اصدار سندات خزينة في الأسواق المالية يستفيد المواطن وخاصة المتقاعدين من عائدها. هكذا يشعر المواطن أيضا أنه يمول مستقبل اقتصاده والأجيال المقبلة. شفافية وسيولة الأسواق المالية مهمة كي يستطيع المواطن تداول هذه السندات عندما يرغب بذلك. لا شك أن الأسواق المالية الأميركية والغربية تتمتع بهاتين الصفتين التي لا بد من تطويرهما خليجيا مع الحاجة المستجدة لذلك.

ما هي المبررات المعاكسة التي تفرض على الدول أن تكون حذرة من تفاقم الدين الذي يجب تسديده عاجلا أم آجلا، والا حصل المحظور أي الافلاس وسقوط الثقة وانهيار النقد بالاضافة الى استحالة ايجاد مقرضين جدد؟ ما زال العديد من دول أميركا اللاتينية كالأرجنتين والبرازيل وفينزويلا يعاني من السياسات الخطرة التي مورست خلال عقود ويدفع ثمنها مواطن اليوم. مقاطعة "بورتو ريكو" هي في وضع خطر بالرغم من وجودها سياديا في الولايات المتحدة.

لا يمكن التهاون في الاستدانة والانفاق لأن الطريق تصل عاجلا أم آجلا الى نهاية ما، يمكن أن تكون تكلفتها كبيرة جدا.

أولا: يقع الانفاق عموما في ثلاثة أبواب: خدمة الدين العام، الانفاق الجاري والانفاق الاستثماري. الأول لا خيار فيه أي يجب خدمة الدين الموجود والا وقع المحظور وانهارت الثقة. الانفاق الجاري من أجور وشراء السلع والخدمات العادية كالمحروقات والمفروشات لتسيير أمور الدولة ضروري لكن يجب تخفيفه الى أقصى الحدود الممكنة ضمن الهدف الأساسي وهو رفع الانتاجية خدمة للموطن.

ثانيا: عجز اليوم والدين يتحولان ضرائب مستقبلية. الحل الآخر هو زيادة الكتلة النقدية لتمويل الانفاق مما يضر بالنقد، تماما كما حصل في لبنان في الثمانينات من القرن الماضي وبالتالي هنالك مسؤولية كبرى تقع على عاتق السياسيين والاداريين. نقرر اليوم ونسدد من جيوب الأجيال القادمة، وهذا ظلم اذا لم تتم الممارسة بأفضل الطرق الادارية والأخلاقية الممكنة.

ثالثا: الديون العامة من اقتراض مباشر من المؤسسات والمصارف أو عبر اصدار السندات يعزز وضع الأغنياء على حساب الفقراء حيث هم قادرون على الاقراض ويستفيدون منه علما أن الفاتورة تسدد من قبل الجميع. الاستدانة المكثفة هي حكما غير حكيمة وغير عادلة.

رابعا: تؤدي الاستدانة الى رفع الفوائد وبالتالي ارهاق الشركات المستثمرة، مما يعيق عملية النمو الضررورية للازدهار على المدى الطويل.

هل يكون الحل عبر التقشف عندما لا يستطيع المجتمع حل مشكلة العجز المالي؟ أظهرت التجارب الأوروبية في اليونان وغيرها أن التقشف صعب ويسبب انتفاضات شعبية وغضب عام وربما عدم استقرار سياسي خطير. الحلول موجعة ان كانت عبر التقشف أو رفع الضرائب، وبالتالي تكمن الحكمة في العناية وتجنب الوصول الى المأزق اليوناني. الحكومات الحكيمة هي التي تنظر الى المدى البعيد وتفهم أنه ليس هنالك "غذاء مجاني" كما نعرف جميعا جيدا.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment