جهود كبرى لمكافحة الفساد

05/18/2016 - 11:05 AM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

فجأة استفاق العالم على خطورة الفساد بعد ان غض النظر عنه لعقود خلت. اسفاقت الحكومات كما منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية الى خطورة الفساد وكأنه أمر جديد وطارئ. لا شك أن الفساد انتشر بسبب التخاذل في محاربته كما بسبب الحاجة المالية التي خلقتها أزمة "الركود الكبير" المستمرة منذ سنة 2008.

ايرادات جديدة وكبيرة

من ناحية الدول، تعجز الموازنات العامة للدول الرئيسية عن تمويل انفاقها، وبالتالي تحتاج الى ايرادات جديدة وكبيرة. من ناحية الأفراد والشركات وبسبب الافلاسات وسوء الأوضاع، يحاول بعضهم عبر نشاطات غير شرعية التعويض عن ما خسروه في الأسواق من استثمارات وفرص ومشاريع. الفساد ارتفع وانتشر كما زادت الحاجة لمحاربته للتعويض عن الايرادات العامة المفقودة.

تتوسع النشاطات غير الشرعية بدأ من تهريب الأموال الى الجنات الضرائبية، الى التجارة بالمخدرات والأسلحة والسلع المزورة والبشر والأعضاء كما سرقة المعلومات بالاضافة الى كافة عمليات تبييض الأموال والارهاب. السلع المزورة هي في معظمها غربية أي ساعات سويسرية والعديد من سلع الزينة والكماليات التي ترغبها المرأة كما يرغبها رجل اليوم أيضا.

يضرب الفساد العمليات التجارية والمالية في داخلها عبر التزوير والغش واعطاء المعلومات الخاطئة والقيام بالعمليات المشبوهة المغطاة قانونا. أمثلة النشاطات الفاسدة كبيرة وعديدة وها هي أوراق "باناما" تكشف بالوقائع ما لم يدهش العالم، بل أكد صحة وخطورة وانتشار الفساد. تشير العقوبات المالية التي فرضها القضاء على المصارف العالمية الى انتشار الفساد، وكأن انقاذ النظام الرأسمالي العالمي يعتمد على وجود هكذا أعمال تؤجل السقوط. في سنة 2014، عوقب مصرف أميركا بمبلغ 16 مليار دولار وتبعه تشكيلة من المصارف الأميركية والأوروبية والتي كان يشهد لها بحسن التصرف واحترام حقوق الزبائن والخضوع للقوانين. كانت المفاجأة ليس في وجود أعمال كهذه وانما في انتشارها واصابة أفضل المصارف بها كما في غض النظر عنها من قبل اداراتها.

جرائم كبرى

في الأسواق المالية، حصلت جرائم كبرى أودت بالمجرمين الى السجن دون أن تعالج مشاكل الضحايا. كان هنالك جشع لا مثيل له من قبل عملاء السوق وغباء واضح من قبل الذين وثقوا بهم ربما بدافع الجشع أيضا. "مادوف" أشهر المجرمين الذي أودع في السجن مع حكم قاس أي 150 سنة لسرقة 17,3 مليار دولار. مجرم آخر هو "ستانفورد" سارق 7 مليارات دولار وحكم عليه بالسجن 110 سنوات.

هنالك أمثلة مشابهة في كل المجتمعات. كتب الاقتصادي "كيندلبرغر" أن عدد المجرمين الماليين يرتفع في فترات الازدهار الاقتصادي بسبب الفرص السخية التي تتوافر لهم. لكن عدد المجرمين اليوم يرتفع أيضا في زمن الركود بسبب رغبة المواطن والشركة في تحقيق الأرباح مهما كانت الوسائل وعلى حساب الأخلاق والأنظمة والقوانين. لا شك أن الجدية في العقاب تخفف من حدوث الاجرام لكن لا تلغيه لأن الغش والجشع يبقيان موجودان في الظروف الجيدة كما السيئة.

بدأ من الجنات الضرائبية التي استفاقت الحكومات على محاربتها ليس للدفاع عن الأخلاق والنزاهة والنظافة، وانما لتحصيل ايرادات مالية هربت من الرقابة. يخشى أيضا أن تقوم هذه الأموال بتمويل نشاطات اجرامية تبدأ من الارهاب وتمتد الى كافة التجارات الممنوعة. ازدهرت هذه الجنات في النصف الثاني من التسعينات وخاصة ما بعد سنة 2000 وما زالت تنمو. هنالك احصائيات تشير الى وجود ما بين 10 ألاف و 25 ألف مليار دولار مخبأة في الجنات الضرائبية. 25% من الايرادات الضرائبية العالمية تهرب الى هذه الجنات سنويا. هنالك خسارة سنوية لدول الوحدة الأوروبية تقدر بألف مليار دولار تغادر الى الجنات المذكورة.

الايرادات الضرائبية السنوية

تخسر فرنسا وحدها ما بين 60 و 80 مليار يورو أو 15% من الايرادات الضرائبية السنوية. تشير المعلومات الى أن بعض المصارف الفرنسية يحقق 10% من أعماله في النشاطات المرتبطة بالجنات الضرائبية. فهي نشاطات مربحة لأنها لا تحتاج الى يد عاملة عديدة. لا شك أن الأرقام تبقى غير دقيقة لأن العالم يتعامل مع منظمات اجرامية مجهزة تقنيا وبشريا بأفضل المعدات وربما العقول. لا شك أن الموازنات تحتاج الى هذه الأموال لمعالجة أوضاع الدول الداخلية.

لذا في آخر السنة الماضية، وقعت 62 دولة اتفاقية لمحاربة التهرب الضرائبي من قبل الشركات الكبيرة والمتعددة الجنسيات تحديدا. يدخل فيها التعاون للتأكد من صحة الأرقام وبالتالي الوصول الى معلومات دقيقة عن القيمة وأماكن التوزيع وطرق التهريب. كيف يمكن عمليا مكافحة التهرب الضرائبي؟

تعاون كبير بين الدول والمؤسسات الرسمية

جميع الوسائل تفرض تعاونا كبيرا بين الدول والمؤسسات الرسمية والمصارف وبالتالي يكون الجهد دوليا أو لا يكون.

أولا: هل يجب محاربة الجنات الضرائبية مباشرة عبر كل الوسائل والضغوط المتوافرة. هل الجنات مذنبة وهل من واجبها منع قدوم أموال آتية من الدول الغربية؟ هل تكون الجنات الضرائبية مجندة لخدمة موازنات الدول الغربية؟ أو هل تقوم بالدفاع عن مصالحها وحقوق مواطنيها؟ لا تقوم الجنات عموما بنشاطات جاذبة للأموال، انما تشكل الملجأ الآمن لها.

ثانيا: لماذا لا ينظر مثلا الى أسباب التهرب الضرائبي؟ هل هذا التصرف مزاجي أم له مصادره المالية والاقتصادية والمنطقية؟ ارتفاع النسب الضرائبية في الدول الغربية يدفع بالمواطن الى تهريب أمواله. لماذا لا تكون محاربة الجنات عبر تخفيف النسب الضرائبية وبالتالي يختفي الدافع للتهريب وتبقى الأموال في الداخل. اليست هي طريقة أسهل وأفعل وأقل تكلفة تؤدي الى رفع الايرادات دون مواجهة دول صغيرة معظمها جزر فقيرة تفتقر الى المواد الأولية والنشاطات الاقتصادية العادية الكافية؟

طبعا لا تقتصر محاربة الفساد على معالجة واقع الجنات الضرائبية. فهنالك تجارة المخدرات التي تحقق ايرادات سنوية بقيمة 320 مليار دولار. انتاج أفغانستان في حدود 6400 طن من الأفيون مدهش في حجمه وطرق توزيعه على كل دول العالم بالرغم من وجود جيوش في هذه الدولة التي تعاني منذ عقود. هنالك انتاج كبير في بعض الدول الأسيوية منها ميانمار ولاوس وغيرها يأخذ طريقه الى كل دول العالم. هل يجب وضع الملامة على العرض أم على طالب السلعة؟

لماذا يقوم المجتمع الدولي بتوجيه التهمة دائما الى المنتج الفقير ولا تجري المحاسبة الذاتية بنفس الدقة والصرامة والجدية؟ لا شك أن هنالك شبكات دولية مجرمة تستفيد من تجارة المخدرات انتاجا وتوزيعا في معظم مدن العالم. تجني هذه الشبكات أرباحا ضخمة على حساب المواطن المدمن. لا شك أن مشكلة المخدرات ليس فقط مالية وقانونية وقضائية وانما أيضا وخاصة مشكلة صحية وأخلاقية تضرب المجتمعات في عقر دارها.

لا يمكن تجاهل الجرائم الالكترونية التي تقدر سنويا ب 445 مليار دولار والتي تدمر الحواسب وتخلط البريد وتسبب المشاكل فيما بين المواطنين والشركات. المشكلة معقدة لأن من يقوم بالاجرام الالكتروني هو خبير بها، وربما يتمتع بكفاءة أعلى من الذي يراقبه. من الصعب السيطرة على هذه الأعمال لأنها مربحة وتجذب التقنيين والعديد منهم من الأجيال الصاعدة الذين ترتبط حياتهم بالحاسوب والخليوي، فنسوا الورقة والقلم. هنالك تحدي كبير يواجه اليوم النظام الاقتصادي العالمي من داخله.

اما أن ينتصر على الفساد والفاسدين واما سيخضع لهم وبالتالي تتغير معالم الحياة والعلاقات كما لم نشهد من قبل حتى في أسواء الظروف الاقتصادية والسياسية. المطلوب بناء الثقة دوليا وليس نشر الخوف كما يحصل اليوم. الارباك الحالي على كافة الصعد يضر بالنمو وبمستقبل الشباب والشابات في كل دول العالم.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment