الإنتخابات البلدية في لبنان تفضح السلطة الفاسدة...

05/10/2016 - 10:24 AM

 

الدكتور وائل كرامه كرامه

التغيير في لبنان آتٍ لا محالة، وإن تأخَّر. أحدثُ دليلٍ على ذلك قراءةٌ هادئة لنتائج معركة المجلس البلدي لمدينة بيروت والتي أظهرت جلياً عورات قوى السلطة الفاسدة والمتحالفة حديثاً مع بعضها البعض بعد أن تقاتلت طويلاً على المراكز والمغانم وشرذمت البلاد والعباد طائفياً وقبلياً لسنوات وأغرقتنا في الدمّ والمواجهة والحرب الإقليمية وأوصلت الدولة الى الشلل التام. ببساطةٍ شديدة، عندما لاح في الأفق بديلٌ ديمقراطيٌّ رؤيويٌّ وكفوء من قوى المجتمع المدني، هبّت هذه القوى للتحالف فيما بينها حمايةً لنفسها.

الفساد والعمالة والإرتهان للخارج

أحسَّ فجأة زعماء هذه القوى والذين إتهموا بعضهم بعضاً لسنوات بالفساد والعمالة والإرتهان للخارج وكل أنواع الشيطنة والقذارة السياسية أن البساط بدأ يُسحب من تحتهم وأن التغيير القادم يهدّد مصالحهم ومصالح ورثتهم من بعدهم، فتحالفوا لحماية مصالحهم وتغطية فسادهم المشترك ؛ الصورة باتت واضحة للأكثرية الساحقة من المواطنين "العقلاء"، وهي أن زعماء الطوائف ورؤوساء الأحزاب متفقون فيما بينهم على الشعب، يعملون على تقسيمه طائفياً ومذهبياً ومناطقياً ليسهل الركوب على ظهره وإستغلاله وإبقائه تحت سلطة الإقطاع بكافة أشكاله القديمة والحديثة. وهكذا يدعمون بعضهم البعض في التوريث السياسي ويعوِّمون بعضهم بعضاً عند أيَّةِ محاولةٍ من قبل قوى المجتمع المدني الفاعلة لإحداث خرقٍ أو تغييرٍ ما.

الإنتخابات البلدية الحالية فضحت عورة المرتهنين للخارج والعاملين على إبقاء لبنان رهينة الصراع الطائفي المشتعل في طول الإقليم وعرضه. لهذا السبب تمَّ الهروب من الإنتخابات النيابية: لأنهم لا يضمنون العودة الى ما هم عليه الآن في المجلس الحالي، يخافون أن تتغير اللعبة فتفاجئهم القوى الحيّة المثقَّفة والواعية والغير مجيّشة طائفياً وينقلب بذلك السحر على الساحر.

بيروت لمن؟

بيروت للبيارتة، بيروت مدينتي، لائحة بيروت... ليس المهم إسم اللائحة رغم تحفظي على التعصُّب او الجهالة في إختيار بعض أسماء اللوائح ك "بيروت للبيارتة" على سبيل المثال، المهم ماذا ستقدِّم هذه اللائحة من عملٍ بلديّ فاعلٍ وإنماءٍ حقيقيّ وإعمارٍ نوعيّ للمدينة. هل ستحافظ مثلاً على بعض بيوت بيروت الأثرية وتحميها من الهدم أم سيكون بين أعضاء اللائحة أحد حيتان المال الذي سيشتري بعض هذه البيوت لإزالتها وإنشاء ناطحات باطونٍ بشعة مكانها. لا يهمني من أية عائلة بيروتية سيكون رئيس اللائحة، ما يهمني أن يعمل من أجل بيروت، عاصمة كل لبنان، عروس المتوسط التي لطالما تفاخرنا بها ولم نعمل على حمايتها من التجار والفاسدين والطامعين.

نريد وطناً على قدر طموحاتنا وطموحات جيلنا والجيل الآتي ؛ نريد الإنتماء لبلد الآباء والأجداد الذين ناضلوا طويلاً لأجله وأجل رفعته وحضارته وديمومته...

من منا كان يتصوَّر يوماً أن يرى المشاهد التي رأيناها مؤخراً، عاصرنا الحرب الأهلية ولم نرَها: لبنان يغرق بالنفايات، تتناقل أخبارنا الصحف ومحطات التلفزة العالمية وبماذا؟ بموضوع أزمة النفايات وفشل الدولة المترهلة في حلِّها... يسألني صديقٌ لي: " كيف يمكن لبلد أن يمشي دون رئيس جمهورية!" أجيبه ممازحاً متهرباً من مواجهة الحقيقة أننا لسنا بلداً ولا دولةً بل أرطة عالم مقسومين، مزارع طائفية يمتلكها زعماء السياسة ويتقاسمون غلاتها: " نحن بلد المبدعين، بإستطاعتنا أن نسيِّر البلد دون الحاجة لرئيس ". فالرئيس الذي يجب ان تتوافق عليه دول العالم كله ليأتي ماذا بإستطاعته ان يعمل وماذا لديه من إستقلالية ليحكم؟ الصمت أحياناً كثيرة أنفع، السترة حلوة...

شو صاير عندكم، طلعِت ريحتكم؟

أتذكّر حادثة أخرى حين باغتني زميل عمل خليجي صبيحة يوم بالقول: " شو صاير عندكم، طلعِت ريحتكم؟! ".... أحسستُ بسخطٍ منقطع النظير، أما كان من الممكن تغيير إسم الحملة رغم أحقية شعاراتها الى شيء أكثر إيجابية: "بلاكن البلد أجمل"، أو "معاً نبني".. . يا لوقاحة التيارات السياسية سواءً كانت في بلدية بيروت أو اي بلدية لبنانية أخرى، فبعد أن فشلت في إنقاذ شوارع مدنها وقراها من الغرق في النفايات ها هي ترشِّح محازبيها ومناصريها للعودة الى البلديات؟ اليوم يعِدون الناس بعدم تكرار اغراق بيروت مثلاً بالنفايات؟.

هذا ما كتبتهُ لمسؤولي لبنان الشهر الماضي حين إجتاحت بيروت روائح النفايات وأسراب الباعوض والأمراض المعدية :

"يا حيف... يا حيف...

لا تستحقّون بيروت، ولا شواطىء الماس فيها...

لا عطر مجدها، ولا طيب شهدها

لا طهارة مطرها في الشتاء،

ولا روعة شمسها في الصيف...

يا حيف، يا حيف...

بتنا نستحي بكم يا مسؤولي لبنان

بتنا بحيرةٍ من أمرنا،

ماذا نقول لكم يا من سرقتمونا، يا من سرقتم صِبا بيروت منا

وماذا نقول للسائح والضيف...

يا حيف... هي رائحتكم الكريهة وبعوض جشعكم وفشلكم...

هي بيروتنا قتلتموها، كما قتلتم أحلامنا وهجرتمونا...

يا حيف ويا ألف حيف !!! "

إنهم عملياً يهدمون اسم لبنان؛ كان ماركة عالمية مسجلة بطبيعته الخلابة وسياحته ومطبخه الرفيع ومؤسسات إستشفائه الرائدة... ماذا فعلوا به؟

بيروت ليست فقط للبيارتة، بيروت لكل الناس، هي عاصمة الوطن وقلبه النابض، هي أم الفقير والغني على حدٍّ سواء...

حين يضطر الشيخ سعد الحريري أن ينزل شخصياً الى الشارع وبكل ثقله ويتحالف مع الحلفاء والأخصام ومن هبَّ ودبّ من أجل إنتخابات بلدية مع العلم أن تشكيله للائحته أتى على أساس الأحزاب وإقتسام الحصص الطائفية تحت ستار المناصفة، ذلك يعني أنه في أزمةٍ فعلية... ليس وحده، الكل في أزمة من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب. الناس دخلت مرحلة الصحوة والتغيير في لبنان آتٍ لا محالة... الخروقات في مناطق نفوذ حزب الله من قبل الشيعة المستقلين أكبر دليل على ذلك.

كمال جنبلاط كان قد سبق عصره ؛ ترك القوقعة الطائفية والزعامة الإقطاعية وأسس حزباً سياسياً على مستوى لبنان ومداه العروبة الصافية والاشتراكية العالمية... لكن للأسف لم يتم التغيير المنشود وإلغاء الطائفية السياسية من أجل الإنتقال بلبنان الى مرحلة الدولة المدنية العلمانية الحديثة ودخل لبنان أتون الحرب الأهلية...

ماذا أنتم فاعلون أيها الطاقم السياسي البالي؟ الستم أنتم أمراء الحرب؟ من منكم لم يأتِ على ظهر دبابة أو في جعبة بلدٍ إقليميّ أسقطه حاكماً على رؤوس الأشهاد... نريد تغييراً جذرياً، نريد وطناً، " إفهموها بقى "...

 نحن اللبنانيون، وخاصةً المتغرّبين منا، نريد العودة، لا نريد زرع اولادنا في المهجر، نريد أن نزرعهم " أرز وسنديان " في وطن الحرف لبنان " وقليلهم بعد الله يعبدوا لبنان ".

لائحة "بيروت مدينتي" إنتصرت مع أنها لم تتمكَّن من خرق اللائحة الفائزة لأنها فرضت على السلطة معركة إنتخابية وفضحت عوراتها وأجبرتها على التحالف مع خصومها فتبيّن أن مصلحة المشاركين بالسلطة هي مصلحة مشتركة وضمنياً مستفيدين سوياً من تهميش قوى المجتمع المدني المتحررة من الإصطفاف الطائفي والمذهبي والغير متلوثة بملفات الفساد والسرقة ورهن البلاد للاعبين الإقليميين. فبيروت مدينتي تشكلت من نخبة من الناس قررت أن تُقدِم على التغيير، أن تعطي من خبراتها من أجل الوطن، وهذا ما يجب ان ينطبق على بلديات كل المدن والقرى اللبنانية من أكبرها الى أصغرها... يجب على الناس أن يختاروا من يرونه مناسباً من أجل خدمتهم وخدمة مصالحهم، الذي يعمل على إنماء المدن والبلدات والقرى وليس ما يفرضه الزعيم ليسرق له ويتقاسم معه خيرات البلديات...

لائحة بيروت مدينتي نجحت لأن الفرق بينها وبين اللائحة الفائزة كان فقط ٧٣٢٥ صوتاً بالرغم من نسبة المشاركة المتدنية من قبل الناخبين البيروتيين والتي بلغت حوالي ١٨ بالمئة. الأحرار في لبنان نجحوا لأنهم سيفرضون على المجلس الجديد العمل الجاد للنجاح والإنجاز لأنهم سيكونون له بالمرصاد في المحاسبة والمساءلة لأنهم يطرحون مشروعاً بديلاً واضحاً.

 النتيجة الأجمل الذي يتمناها كل حريص أن يكون مثلاً مجلس بلدية بيروت مشكَّل من إختراقات كل اللوائح: هكذا يكون هناك محاسبة وتزاحم ضمني لتقديم الأفضل ؛ المحادل مقبرة التغيير، محادل الجهل والتبعية وإبقاء البلد رهينة التخلَّف، أصبحنا على شفير الإعلان عن نفسنا دولة فاشلة... كذبة اللائحة المتجانسة هي لغة إستئثار لعدم إشراك قوى المجتمع المدني.

هذه النتائج عبّرت عن المزاج العام للمجتمع اللبناني بإمكانية التغيير الديمقراطي من خلال الإنتخابات وضرورة إقامة قانون إنتخابي يراعي مبدأ النسبية. الدرس الأبرز أيضاً أن الإنتخابات النيابية القادمة لن تكون سهلة على القوى الطائفية وأحزاب السلطة.

سأنهي صرختي بمطلع أغنية عفوية طلعِت معي :

"ما تسأل كيف...

ما تسأل كيف الوطن إنباع سآل حالك

ولا تسأل كيف صار مشاع وضاع مالك...

سآل حالك سآل حالك ل مين مسّكت الوطن

سآل حالك سآل حالك ل مين صوتك إرتهن...

لناس كل عمرن يتاجرو بدمّك

ولا يوم حبّوك ولا حملو همّك

لناس بتعرفك بس وقت الإنتخاب

وبتبيعك رخيص كتير وقت المحَن..."

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment