اللاجئون السوريون يكتسحون سوق العمل اللبناني وأبناء البلد يهاجرون وجعاً وإحباطاً!

05/05/2016 - 17:44 PM

 

خاص بيروت تايمز

كتبت ميشلين أبي سلوم*

 

مشكلة البطالة تتفاقم في كل لبنان وتدفع اللبنانيين إلى إقفال المؤسسات والهجرة إلى حيث لا يعودون، والسوريون يتدفقون ويعرضون خدماتهم بأسعار متدنية لا يستطيع العمال اللبنانيون مضاهاتها لأن أكلاف معيشتهم كبيرة. واجتياح اليد العاملة السورية يتطوّر ليشمل حتى المجالات الطبية والهندسية وإدارة الأعمال.

هناك قرابة 16 ألف خريج من الجامعات والمعاهد اللبنانية، فيما لا تزيد فرص العمل الحالية عن 3 آلاف فرصة. فماذا يفعل الآخرون؟

هكذا، يتم إفراغ لبنان من أهله ليحلّ محلهم سوريون وفلسطينيون، لا هم يعلمون ولا أحد يعلم متى يعودون إلى بلادهم... هذا إذا كانوا سيعودون! والمهزلة تكمن خصوصاً في أن هؤلاء وفدوا إلى لبنان تحت عنوان نازحين ويحظون باهتمام المفوضية العليا ويتلقون المساعدات. وبعضهم يأتي إلى لبنان من سوريا، شهرياً، ليقبض المساعدات المخصصة له ثم يرجع إلى بلده...

كل هذا يجري فيما العالم كله يلقي بأعباء النازحين على لبنان الصغير حتى يكاد يختنق... وأما أهله فلا ناقة لهم ولا جمل... ولا حَوْل ولا قوة. وكل ما يقومون به هو التنحّي عن سوق العمل لمصلحة الوافدين... والكثيرون منهم اللبنانيون يهاجرون وجعاً وإحباطاً.

هذه قصة صغيرة، لكنها كبيرة جداً بمعانيها... فمن يهتم؟

كل هذه الحقائق لا تعني شيئاً في المحافل الدولية التي تعمل على إقناع لبنان بتشغيل النازحين ولو على حساب أبنائه. فالمهم أن يريحوا أوروبا من الضغوط، ولو أزيل لبنان عن الخريطة. وانتقدت دراسة لمنظمة العمل الدولية بعنوان تقييم أثر اللاجئين السوريين على لبنان وظروف تشغيلهم، نشرت في نيسان 2014، بأن قرابة ثلث النازحين السوريين في سوق العمل اللبنانية عاطلون عن العمل ويعانون من تدني الأجور ومن ظروف عمل قاسية. فالمنظمة تريد لهؤلاء جميعاً أن يعملوا، ولكن، هل من قيمة لمستوى البطالة الذي ارتفع دراماتيكياً في أوساط اللبنانيين؟

لبنان تحت الضغط

وفقاً لصندوق النقد الدولي، سجل الاقتصاد اللبناني نمواً لم يتعدّ ٢.٥% في 2015 مقارنة بنسبة ٢% في 2014، مع ارتفاع مستمر في عجز المالية العام من ٧.١% الى٩.١% في ٢٠١٥، بالاضافة الى ارتفاع الدين العام الى قرب ال73 مليار دولار، بتأثير من الأزمة السورية، ولا سيما من تداعيات أزمة اللجوء السوري التي ضاعفت من عمق الأزمة الاجتماعية في لبنان، وسببت مباشرة في إيجاد جيل جديد من العاطلين عن العمل، ارتفع عددهم إلى حوالى 346 الف لبناني وفق أرقام وزارة العمل، فيما يتخطى هذا الرقم ال400 الف بحسب الاحصاءات غير الرسمية، وبالتالي أصبحت نسبة البطالة في لبنان قرب ال ٢٥% من إجمالي القوة العاملة لتصل الى ٣٦% بين الشباب.

فلبنان يستضيف اليوم حوالى ٤٠% ممن هربوا من سوريا، مع أكثر من مليون لاجئ سوري مسجل، وأكثر من 600 الف غير مسجل، ٥٠% منهم دخلوا سوق العمل اللبناني، ما ساهم أيضاً في ارتفاع عدد اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر الى أكثر من مليون و170 الف نسمة.

ولا تقتصر أزمة اللاجئين السوريين على طلب توفير الدعم المالي للدولة اللبنانية لتوزيعها أو لتغطية الحاجات، على رغم ضآلة هذا الدعم قياساً بحجم التداعيات والأزمة الإنسانية، بل أصبحت هذه الازمة تتعلق بالأمن الاقتصادي للمواطن الذي بدأ يعاني، فعلاً، من ضغط كبير حيال المنافسة غير الشرعية التي يتعرّض لها العامل اللبناني، في ظل ركود يعيشه الاقتصاد منذ أعوام. فسوق العمل اللبناني يعاني من المنافسة غير الشرعية وغير المتكافئة، بعدما أقدم العديد من المؤسسات على استبدال العمال اللبنانيين بآخرين سوريين لتخفيف التكاليف عنها.

وأمام هذا الواقع، دعت وزارة العمل مختلف الشركات والورش والمصارف والمستشفيات والفنادق والمطابع والمعامل والمطاعم والجمعيات وغيرها، الى التزام قانون العمل والأنظمة الاجرائية التي ترعى تنظيم عمل الأجانب في لبنان والسوريين ضمناً.

وقد أمهلت دوائر الوزارة هذه المؤسسات أشهراً لتشريع وضع العمالة الأجنبية لديها، بناء على طلب وزير العمل سجعان قزي الذي أراد إعطاء هذه المؤسسات الوقت الكافي لترتيب أوضاعها وللتخفيف من إنفاقها في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة. ويعمل قزي لتسهيل إصدار إجازات العمل وتقسيطها زمنياً. أما اذا انقضت مهلة السماح، ولم تبادر مختلف هذه المؤسسات إلى تسوية أوضاع العمالة الأجنبية فيها، فعادت الوزارة وطالبتها بإعطاء الأولوية في فرص العمل للبنانيين، وحصر الاستعانة بالعمالة الأجنبية في القطاعات التي تحتاج إلى الأجانب والخبرات الأجنبية، ووقف تسريح اللبنانيين لتوظيف الأجانب وخصوصاً السوريين، إضافة الى الإسراع في مهلة لا تتعدى الأسبوعين إلى طلب إجازات لهؤلاء العمال من خلال دوائر وزارة العمل مباشرة.

وأي تخلف عن التزام القانون يعرّض المؤسسة المعنية لغرامات ولمساءلة إدارية وقضائية، إذ يتم تسطير محاضر ضبط في حق المخالفين تصل قيمتها الى 2,7 مليوني ليرة تُفرض على كل عامل يخالف قوانين العمل اللبنانية، إضافة الى غرامة مماثلة يتحملها رب العمل بالقيمة نفسها عن كل عامل يعمل ضمن مؤسسته بشكل مخالف للقوانين. وأمهلت الوزارة المؤسسات المخالفة لتسوية وضعها. وشكّل قزي خلية طوارئ في الوزارة للإشراف على التنفيذ.

هل التدابير فعالة؟

السلطات اللبنانية باشرت في 5 كانون الاول 2014 تطبيق معايير جديدة تنظم دخول السوريين الى لبنان والإقامة فيه وتقوم على فرض سمة أو إقامة، وهو أمر لم يكن معمولاً به من قبل، اذ كان السوريون يدخلون بحرية تامة ويعملون في لبنان من دون أي قيود. ولكن مع استمرار الأزمة، وجب بدء تنفيذ خطوات أخرى قد تساهم في حماية سوق العمل اللبنانية من المنافسة السورية، ومنها وقف العمل بالاتفاق الثنائي الذي وُقّع بتاريخ 18 تشرين الثاني 1994 بين لبنان وسوريا والذي يحدد مجال العمل بين البلدين، أو إعادة النظر فيه، لحين عودة الاستقرار إلى سوريا. لكن هذه الخطوة يستحيل تمريرها في مجلس الوزراء في ظل الانقسام السياسي الحاد بين مكوّناته.

ولا يتعدى عدد العمال السوريين الحائزين إجازة عمل في لبنان ال 8 آلاف، بينما يبلغ مجمل العمال الأجانب المستوفين شروط العمل على الاراضي اللبنانية حوالى 200 ألف عامل. ولكن وفق الارقام غير الرسمية، وصل عدد العمال السوريين في لبنان الى اكثر من 700 الف، فيما تجاوزت أرقام العمالة الاجنبية الأخرى غير المنظمة 150 الفاً.

البطالة بالارقام والنسب

كانت نسبة البطالة في لبنان قبل الحرب في سوريا ١١.٣% وأصبحت بعد الحرب والنزوح السوري نحو ٢٥%، كما أن نسبة الذين خرجوا من دائرة العمل الى البطالة بلغت 346 ألف لبناني، بحسب أرقام البنك الدولي. ويقول قزي: إن لبنان يفرض شروطاً على العمالة السورية وليس قيوداً، والشروط تنسجم مع جميع القرارات الدولية المرتبطة بتنظيم العمالة الأجنبية، ومع قوانين العمل في جميع بلدان العالم.

وتُصدر وزارة العمل في بداية كل سنة مذكّرة تتضمن توزيع سوق العمل اللبنانية على اللبنانيين والجنسيات المختلفة، الفئة الأولى محصورة باللبنانيين، فيما الفئة الثانية موزعة بين اللبنانيين والاجانب وفق الحاجة، أما الفئة الثالثة فمفتوحة أمام الجميع، ولكن يمكن للأجنبي أن يعمل بالمهن المحصورة باللبنانيين في حال لم تتوافر اليد العاملة اللبنانية.

والتشدد بإعطاء رخص عمل للأجانب للأسباب الآتية:

- إن القوانين لم تكن تطبق لا من الدولة ولا من أصحاب العمل.

- الوضع الأمني الذي يستوجب الحذر من المجموعات الارهابية والتي يمكن أن تتخذ من فرص العمل غطاء لعملها في لبنان.
- وصلت نسبة البطالة المرتفعة بين اللبنانيين للمرة الأولى في تاريخها الى 25 بالمئة، بينها 36 بالمئة بعمر الشباب.

والرعايا السوريون من أصحاب عمل أو عمال، يُستوفى منهم ٢٥% من قيمة الرسوم، اما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين فإنهم معفيون من رسم إجازة العمل بموجب القانون رقم 129/2010.

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment