كرمى لعيون بيروت

05/04/2016 - 13:36 PM

 

بقلم: قاسم يوسف

 

كثيرون منّ حاولوا عبثًا أن يقاربوا عقل بيروت. إذ كيف لها، مثلًا، أن تحضن ياسر عرفات وأن تحميه بأشفار العيون، فيما تدكها اسرائيل، وغير اسرائيل، بما تيّسر من نار ودمار. كيف لها أن تناصر غريبًا على حساب أزقتها وشوارعها وبيوتها التي ساوت الأرض، ثم كيف لهذا أن يُقابل بحالة متناقضة يُجسدها بشير الجميّل، كيف لبيروت أن تحمي وتحضن الرجلين معًا، بل وأن تحجز لهما انتصارًا يحفظ ماء الوجه. فالأول رفع شارة النصر بعد أعنف اجتياح بري قادته اسرائيل في تاريخها، فيما خرج الآخر ليشهر الشارة عينها بوجه حافظ الأسد، حافظ الذي لا يقبل الهزيمة.

لم يكن لينتصر أحدهم بلا بيروت، قال بشير لشارون: لا حل إلا بوصولكم إلى الغربية، لا حل إلا باقتلاع أبو عمار وبيئته الحاضنة. ظن الرجل لوهلة أن بيروت تخاف الاجتياحات والجحافل، وأن أهلها سيرضخون أمام قرع الصنوج. كذلك قالوا لحافظ الأسد, لا بد أن تدمّر الشرقية، وأن تُخرج هذا الانعزالي ومعه شذاذ الآفاق من ربوعها. مائة يوم عاد بعدها الأسد خائبًا، راح يتمتم بصوت غاضب: اسمع يا بشير، اسرائيل قد تصنع منك قائدًا عسكريًا كبيرًا، لكن وحده حافظ الأسد قادرٌ أن يحوّلك إلى زعيم سياسي. لتعود وتصفعه بيروت مجددًا: أنت الريّس يا بشير!

بيروت لا تخاف الغرباء، هي تعرفهم وتحضنهم وتنصفهم، لم تُفجع برجل كما فُجعت برفيق الحريري وكمال جنبلاط، لم تُشيّع زعيمًا كما شيّعت روح عبد الناصر، لم تنتصر لقضية كما انتصرت لفلسطين، لم تفرح لربيع كما فرحت لربيع دمشق، لم تخشع لقامة كما خشعت لموسى الصدر وبولس الأبيض، لم تحتضن مغامرًا كما احتضنت ياسر عرفات وبشير الجميل وكوكبة لا تنتهي من الأفكار والمشاريع المتناقضة. أردفتهم بيروت بحبها وألقها. أعطتهم وغيرهم سر إكسيرها وعناوين مجدها وعصارة تاريخها.

أحدٌ لم يفهم بيروت كما فهمها عُشاقها، يبحثون في أروقتها عن سكينة تروي عطشهم الأبدي للحرية والحياة. هي شرفة العرب، قالها الملك فيصل غير مرة، شرفةٌ تخطت كل المساحات وكل الجغرافيا، وتحوّلت إلى متنفس يُقدم الأوكسجين المجاني لعموم الهاربين نحو رحابة صدرها.

كثيرون هم أولئك الذين ظلموها وصبوا عليها جام غضبهم، لكنها ما برحت تربّت برفق على قلوبهم: لا تخافوني .. بيروت لا تثأر، لا تخشى الضيم ولا تنازل الأحلام، إن تظلموها تظلموا أنفسكم، وإن تنصفوها فأنتم وبيروت أكثرية.

اليوم، ترفع بيروت يُمناها وتطلب الكلام بالنظام، ـتصرخ بكل صوتها: أنا بيروت، عاصمة الدنيا. إليّ شد شارل ديغول رحاله عندما ضاقت به الأرض، كذلك فعل نزار قباني ومحمود درويش وفعلتم أنتم. لم أكن يومًا للبيارتة، لكنكم كنتم بيارتة كرمى لعيون بيروت.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment