ملوك البرّ ولصوص البحر

04/28/2016 - 17:02 PM

 

جوزف الهاشم*

 
في إحدى روايات التاريخ أنَّ الإسكندر المقدوني الملقّب بذي القرنين، بعدما فتح بالقوة عدّة بلدان، أمر بالقبض على لصّ من لصوص البحر، ولما سأله بأيِّ حقٍّ يسرق مال الناس قال له اللِّص: أنا أسرقه بسفينة صغيرة فأُسمَّى لصّاً، وأنت تسرقه بأسطول كبير فتسمّى فاتحاً.

لا أرى أفضل من هذه الرواية وصفاً ينطبق عندنا على لصوص البرّ والبحر الذين يسرقون أموال الناس بواسطة غزو الأساطيل، ويوجّهون الإتهام الى أصحاب السفن الصغيرة.

كلٌّ منهم، فاتحٌ وإسكندر وذو القرنين، ولم يترك ذوو القرون جسماً إلَّا نطحوه ومأكلاً إلّا ابتلعوه ورزْقاً إلّا نهبوه، ولا تزال عيونهم تترصّد المقابر لعلَّ في جثث النساء سلاسل من ذهب.

سرقوا التاريخ والدولة والسيادة والجمهورية والدستور... سلبوا إرادة الشعب وحقّ الشعب ولقمة الشعب، وعكّروا حليب الأمهات وطهارة القاصرات واستغلوا هوى العاهرات وتاجروا بالبشر.

ومع كل هذه الفضائح القبائح، ما زالوا هم الإسكندر والفاتح، وهم القادة والمرجعية والزعماء والأقطاب، فلا مساءلة ولا عقاب، وحاشا أن تُرشَق إمرأةُ قيصر إلّا بأقمار الورد.

الدولة بلا مساءلة تصبح مزارع سائبة وغابة للكواسر، قوِيُّها يفترس ضعيفَها وتنتهي بنهاية آخر الأقوياء، والدولة بالمساءلة تحصّن نفسها وتعزّز مناعتها وتحافظ على شرعيتها وتؤمِّن استمرارها الصاعد.

هذه عدوَّتُكم إسرائيل: رئيس جمهوريتها السابق موشى كاتساف عوقب بالسجن سبع سنين، ورئيس وزرائها إيهود أولمرت ثمانية عشر شهراً، ووزير الخارجية أفيغدور لبرمان، ووزير العدل حاييم رامون، ووزير الداخلية سيلفان شالوم، حُكِمَ عليهم بتهمة الفساد والرشوة والتحرش، وحتى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وجّهت إليه تهمة ارتكاب تجاوزات خلال دراسته في جامعة اكسفورد.

ولو أن محاكم بريطانيا وإسرائيل وسائر الدول المتطورة، تغضُّ النظر عن الإرتكابات، لأصبحت كل دولة مزرعة سائبة على غرار ما جعلتم من دولة لبنان الطيّبة الذِكْر.

النائب وليد جنبلاط، وبمراجعة نقدية، إعترف علناً أمام القاضي الديمقراطي الأسمى الذي هو الشعب... إتَّهم نفسه ودانَها وأعلن الإعتزال، لقد استيقظ مسمعه على نداء والده كمال جنبلاط الذي قال في كتاب «التحدّي الكبير»... «إسمعوا مني: فليكن الإصلاح قبل أن نخسر لبنان، طالما أن كل عهد يضيف الى الفساد طبقة جيولوجية كثيفة».

ولأنهم لم يسمعوا، خسرنا لبنان، وهذه طبقات الفساد الجيولوجية المتراكمة قد زلْزَلَتْ زلزالها وكشفت رجالها ولن تسلم القصور التي طُلِيَتْ بدم الفقراء على ما يقول الشاعر الياس أبو شبكة.

يا مَنْ طلَى بـدمِ الفقيرِ عروشَهُوتراهُ يجلسُ فوقَها يرتاحُ

هذي العروشُ جماجمٌ مرصوفَةٌفي جوفِها تتمرَّدُ الأرواحُ.
 
 
*وزير لبناني سابق

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment