قولكن رح يفل السوري من هون؟!

04/26/2016 - 13:44 PM

 

بقلم فيرا بو منصقف

 

وقفت في ذاك الربيع أراقب افولهم، جلاء جيش الاحتلال السوري عن لبناني، كانت أجمل لحظات حياتي على الاطلاق. لحظتها بالذات عرفت كم كنت تعيسة ولماذا كنت كذلك، غرقنا في النضال ونسينا حالنا، لسنين نسينا حالنا وصرنا نحن والشباب والحكيم أجساداً متناثرة بروح واحدة، كنا نتعذب ونبتسم، نُضطهد ونضحك، نحزن وبفرح، كل منا كان ألف روح مقاوِمة بجسد واحد، كنت الف فتاة بفتاة والف شاب بشاب، ولما رأيتهم يأفلون عدت الى نفسي، تذكّرت فضيلة اني امرأة وعلي مذ تلك اللحظة ان أتعامل مع نفسي ونسائي الاخريات ورجالي الآخرين فيّ من هذا المنطلق كيف؟!

لما كانوا يأفلون كنت أراقب مواكبهم تبتعد في المساحات الى خلف الحدود، مرة عند منطقة ضهر البيدر واخرى في ليل من تلك الاماسي الرائعة المضيئة في سهل البقاع، شاء الرب أن أراهم وأن أقف الى جانب الطريق لامتّع كرامتي بهذا المشهد المذل لهم المشبع عزاً لنا، ولعله شاء ذلك وكأنه يريد أن يكافئني على شيء ما قمت به رغم تواضعه، اذا ما قورن بما فعله شباب مقاتلون مناضلون وشهداء لنا في المقاومة، كأنه شاء أن يكافئني على تحدي الخطر الذي كان محدقاً بي منهم ومن ناسهم وعملائهم من كل الجنبات وفي كل الاوقات ولم أخف.

كنت أتعمّد أن أحمل صليب الذهب المشطوب في رقبتي واتنقّل به في كل الامكنة، وكل الامكنة كانت مدروزة من احتلالهم وعيونهم ورجالهم الذين لم يكونوا يوماً رجالاً، كنت أخنقهم بوجودي بشجاعتي حتى التهوّر، بايماني الغزير بأن الرب وحده يقرر مصيري، بنشاطي المموه حيناً المعلن غالباً فقط لاثبت لهم اننا ما زلنا أحياء. كنت أريد الا يتأثر مَن هم حولي بهم، الا يخافوا، كنت أريد أن أعديهم شجاعة ليواجهوا من دون سلاح بالتأكيد انما بالعمل والحضور.

كنت أريد أن أبعث رسائلي بالبريد البطيء غالباً كي لا الفت الي الانتباه، وبالسريع أحياناً بالاسلوب الصادم بحسب ما كانت تقتضي الحاجة وبطريقتي المموهة ليتأثر بها الكبار فيتشجعون، ولتعلّم عند الصغار فيتأثرون ويصبحون اما قوات لبنانية، او على الاقل لا يكونون من بين صفوف الاحزاب الموالية للاحتلال السوري وتعبت، حتى اليأس أحيانا والانهاك غالبا، وأخفقت في أماكن كثيرة أعترف، لكني نجحت أيضاً في أماكن كثيرة كبيرة وحققت بعضاً كثيراً مما كنت أريد، وأهم ما كنت أريده الا يستسلم مَن حولي لهم وان يكونوا مقاومين وحصل، هذه كانت ساحة حربي التي خضتها بشراسة ونسيت بغمرة الحرب تلك حالي والكثير من راحتي واسترخائي، وكانت مكافأتي أن أراهم ينسحبون، مكافأة الشهداء أن يأفلوا والذل يشيعهم حتى القبر وقبرهم كان دائماً كرامتنا، دفناهم وهم بعد أحياء يوم رفضنا أن يدفننوننا بتعاسة الاستسلام والهزيمة.

لما دخلوا لبنان مِنا من لم يكن وُلد بعد، آخرون كانوا أطفالاً، نحكي عن أكثر من ثلاثين عاما من الاحتلال يا الله، احتلال أسوأ نظام وأسوأ جيش لأعرق وطن وأجمل الاوطان وأكثرها حضارة في شرق كان سعيداً وصار الاكثر تعاسة، دخلوا وما عدنا حتى نملك الحلم بتلك اللحظة، لحظة خروجهم عن قدرنا، كنا نجلس في الليالي حول الصوبيا، تحت سمر الصيف ونسأل بعضنا البعض “قولكن رح نعيش حتى نشوف السوري فالل من هون؟” وكنا بعز عز الصبا ونشعر اننا عجزة عندما نراهم، كان لون لبنان رمادياً، هكذا كنا نشعر، كان الربيع باهتا حنى ورد نوّار، ولما انسحبوا جرجروا خلفهم الوانهم الميتة، رحل الرمادي وعادت الالوان الى سهل البقاع، الى عكار وبيروت والشوف والجنوب، عادت الرياح تلعب بنا حرية وأزهرت الحياة من جديد.

كان 26 نيسان 2005 آخر آلياتهم العسكرية المحملة من انكسارهم وذلهم الرافع اصابع النصر الكاذب، وهي تعبر آخر نقطة لها عند المصنع، خيييي فلوا أخيراً، تم جلاء جيش الاحتلال السوري عن لبنان، رفعت الصليب المشطوب عن رقبتي ووضعت مكانه صليباً عادياً، ما عدت بحاجة للاعلان الصاخب عن انتمائي اللبناني الصرف، وفعلت ما لم أكن اتوقع أن أفعله، اولا لم انتقم من عملاء حاولوا مرارا أن تكون المزة بيتي وبيت رفاقي، وثانياً عدت وتناسيت المرأة الانسان فيّ المتعطشة للراحة والاسترخاء وصرت مقاومة أكثر من أي وقت مضى لان الاحتلال الذي خرج من الباب الكبير، تسلل الينا من كل النوافذ عبر ناسه بعدما اندلعت النيران في أنحاء بيته، وها نحن نتفرّج عليه ونداوي جروح ناسه ونقاوم ناساً لنا هنا هم ناسه عملياً و… متى يا وطن يتم الجلاء “قولكن على ايامنا؟”…

 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment