مع التغيرات في الشرق الاوسط... أين تبدأ الوراثة عند الزعامات اللبنانية وأين ينتهي النضال السياسي؟

08/31/2015 - 16:52 PM

كتبت ميشلين ابي سلوم*

ثمة ظاهرة سياسية لبنانية جديرة بالدرس: فيما أبواب التغيير من طريق الانتخابات النيابية مقفلة حتى إشعار آخر، تقوم القوى السياسية التاريخية بعمليات تغييرها الخاصة. وتوحي قراءة الظاهرة بأن انتقال القوى اللبنانية من جيل إلى آخر، ولو اتَّسم بطابع عائلي، إنما يترجم عبوراً للبنان من مرحلة إلى أخرى.

قيام لبنان الكبير

فالحياة السياسية في لبنان تقوم على بيوتات، منذ ما قبل الإمارة في القرن السادس عشر. وبعد قيام لبنان الكبير، لم يخرج عن هذه البيوتات سوى الأحزاب العقائدية: الشيوعي والقومي. لكنها، في ستينات وسبعينات القرن الماضي، انضوت حركياً تحت عباءة كمال جنبلاط الذي بنى حزبه على أفكار اشتراكية، لكنه حافظ على موقعه كسليل لبيت جبلي عريق. إلا أن أحزاباً وزعامات مسيحية خرقت قواعد العائلية يوم نشوئها. فالشيخ بيار الجميل لم يأتِ من إقطاع تاريخي ليؤسّس حزباً شبابياً في 1936، هو الكتائب، ولا الرئيس كميل شمعون ولا العميد ريمون إده.

لكن ظروف الممارسة السياسية والحرب، رجَّحت خيار الاستمرار العائلي في القيادة. ولم يقتصر ذلك على الأحزاب التاريخية، بل شمل التيارات الجديدة، في درجات وأشكال مختلفة: التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية وسواهما.

اليوم، يستعد ثلاثة من كبار الزعماء اللبنانيين للتنحي كلياً أو جزئياً عن قمة القيادة الحزبية لمصلحة الأبناء، وهم:

1 - النائب وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي ابتعد عن الواجهة في الأسابيع الأخيرة تاركاً لنجله تيمور أن يتفاعل مباشرة مع الأنصار والمحازبين والوفود الشعبية والسياسية في المختارة.

2 - الرئيس أمين الجميل الذي أعلن قبل أيام أنه لن يرشّح نفسه لرئاسة حزب الكتائب في المؤتمر العام الذي ينعقد دورياً كل أربع سنوات، والذي سيكون موعده المقبل في 12 و13 و14 حزيران الجاري. وقد أعلن نجله النائب سامي الجميل، الأربعاء الفائت من مكتبه في بكفيا، ترشيحه لرئاسة الحزب. وقد بات مؤكداً أنه سيفوز بهذا المنصب.

3 - النائب سليمان فرنجية، رئيس تيار المردة الذي يستعدّ أيضاً للانسحاب من موقعه النيابي لمصلحة نجله طوني. لكن ما يحول دون هذه الرغبة هو عدم إجراء الانتخابات النيابية المؤجلة عامين آخرين على الأقل.

ترجمة المتغيرات

وعلى رغم الشكل الواضح من الإنتقال العائلي، فالمراقبون يرون في توقيت الظاهرة اللبنانية، داخل قوى من 14 آذار و8 آذار ووسطيين، ترجمة للمتغيرات التي سيتعرض لها المناخ السياسي اللبناني في المرحلة المقبلة، والناتجة عما يجري في الشرق الأوسط من تحوُّلات بفعل ما سمّي الربيع العربي. فالمرحلة السياسية الجديدة تستدعي وجود سياسيين جدد، ولو بالإنتقال العائلي، يحملون أفكاراً وتطلعات جديدة، وأكثر ملاءمة للمناخ الآتي إلى الشرق الأوسط. وهذا هو المغزى السياسي لعملية التغيير الزعاماتية الجارية حالياً في لبنان.

بدأت السلسلة في المختارة حيث كان أعلن النائب وليد جنبلاط قبل أشهر عزمه على إفساح المجال لنجله تيمور 33 عاماً كي يتولّى المقعد النيابي بدلاً منه. لكن هناك مأزقاً واجه الزعيم الدرزي هو عدم الاستعداد في لبنان للدخول في انتخابات فرعية في الشوف، لأن ذلك سيفتح الباب لأسئلة عن سبب الاستمرار في التمديد للمجلس النيابي ما دام الظرف يسمح بانتخابات فرعية.

وهكذا، قرّر جنبلاط الأب 66 عاماً أن يخلي الموقع الحزبي أولاً، ما دام مستحيلاً تغيير الموقع النيابي بعد التمديد للمجلس حتى 20 حزيران 2017، إلا إذا استقال وليد بيك. وفجأة، وبلا مقدمات، جلس تيمور في قصر المختارة، على كرسي والده، في يده قلم وورقة، إستمع إلى الوفود الشعبية الآتية حاملة شكاواها ومطالبها كالمعتاد، ويغلب عليها الطابع الشبابي. ولم يكن يقاطع زواره، بل يسجِّل ملاحظاتهم ويجيبهم.

وفيما كان جنبلاط الأب غائباً، أو متابعاً لنجله عن بُعد، كان رفاقه حاضرون: الوزيران اكرم شهيب ووائل ابو فاعور، والنواب: نعمة طعمة، مروان حمادة، فؤاد السعد، علاء الدين ترو، ايلي عون، والنائب السابق أيمن شقير. وبات واضحاً أن الأقرب، ومَن سيكون المعاون السياسي لتيمور جنبلاط هو الوزير أبو فاعور، الذي يبقى إلى جانبه في المختارة كما في كليمنصو، وهو كان برفقته في زيارة السعودية وبعض الدول الخليجية. وثمة من يقول إن وليد جنبلاط، خصوصاً بعد شهادته أمام المحكمة الدولية، وما قدّمه من معلومات وقراءة مفصّلة لواقع النظام السوري ودوره في لبنان، رأى أنه من الضروري عدم انتظار انتخابات فرعية، لتسليم القيادة لنجله تيمور في ضوء المخاطر المحدقة به. والكثيرون تمنّوا عليه أخذ الحيطة والحذر والتنبّه، لأن ما بعد هذه الشهادات في لاهاي ليس كما قبلها، وعلى وجه التحديد في ظل هذا التوقيت أو الفراغ السياسي السيىء.

سامي الجميل يصيِّف في الصيفي

وفي حزب الكتائب إستعداد لتغيير يواكب مرحلة جديدة من تاريخه، هي السابعة:

1 - مرحلة التأسيس، ثم الاستقلال 1943. وهي واكبت تأسيس لبنان الميثاق والصيغة.

2 - مرحلة الصراع الحزبي التقليدي، من ثورة 1958 إلى حرب 1975.

3 - مرحلة الحرب التي أبرزت دور الشباب المقاتل بشير الجميل كتيار تجديدي. وهي انتهت باستشهاد بشير رئيس الجمهورية المنتخب في العام 1982 ووفاة المؤسس.

4 - مرحلة الحزب في رئاسة الجمهورية، مع الرئيس أمين الجميل. وخلالها شهدت الكتائب خضّات عنيفة. وهي انتهت بانتهاء الولاية 1988 والطائف 1989 وعهد الوصاية السورية الكاملة.

5 - مرحلة الأمر الواقع الحزبي حتى 2005. وفيها عاش الحزب مآزق التكيُّف وتقطيع الوقت.

6 - مرحلة استعادة الحزب بعد 2005.

7 - المرحلة المتوقعة بعد الربيع العربي.

تجديد قيادة الكتائب

اليوم، تستعدُّ الكتائب لتجديد قيادتها. فالرئيس الجميل لن يرشّح نفسه في المؤتمر العام المقرَّر في 12 و13 و14 حزيران. وبات واضحاً أن النائب سامي الجميل سيكون رئيس الحزب العتيد. وقد أعلن ترشيحه رسمياً من مكتبه في بكفيا قبل أيام.

وتقول مصادر كتائبية إن المرحلة المقبلة حزبياً، توازي المرحلة الأولى التأسيسية من حيث دقَّتها، بل هي الأخطر في تاريخ الحزب. فلبنان مقبل على إعادة التأسُّس، بفعل التحوّلات الكبرى التي تنتجها عواصف الربيع العربي، والتي ستبدِّل في كل كيانات الشرق الأوسط، وستترك بصماتها على لبنان.

ويصل النائب سامي الجميل إلى قيادة الحزب، ليس كمن يصل إلى حديقة عامة في منتصف نزهة ربيعية، وإنما عليه التصدّي لاستحقاقات مصيرية. ويقول القريبون منه: مستاؤون من البعض، من الذين يحاولون وضعنا في خانة الوارثين سياسياً لا أكثر ولا أقل، فيما النائب سامي الجميل يحمل حصاداً من التعب والمواجهات الوطنية والسياسية والاجتماعية على مدى سنوات طويلة... وهو أيضاً موعودٌ بتعبٍ ومواجهات آتية، فعلامَ يحسدونه بوصوله إلى رئاسة الحزب.

ويعتبر بعض المطلعين أنه في المرحلة الآتية على لبنان، سيكون لسامي الجميل، بأفكاره التغييرية، دورٌ هو الأكثر ملاءمة ومواكبة. وهذا هو المغزى السياسي الذي يمكن استنتاجه في عملية التغيير الكتائبية المنتظرة. فسامي له أفكاره في شأن مستقبل لبنان، وينادي بإنقاذ ثلاثي الأعمدة يقوم على: اللامركزية والتعددية والحياد. وهذه عناوين تستأهل تفكيراً عميقاً لحماية لبنان من عواقب التورُّط في المستنقع الإقليمي وتجنيبه مخاطر الحروب والتفتُّت.

والكتائب، في عَهد رئيسها الشاب، وفي عُهدتِه، ومعها كل القوى السياسية في لبنان، تبدو أمام تحديات مرحلة تأسيسية تلوح مؤشراتها من البوابات الشرقية. فأي دور سيكون للكتائب، ولسامي الجميل الآتي إلى الصيفي، في صيفِ الشرق الآتي؟ وشهد العام الجاري مبادرات جديدة من جانب رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية 50 عاماً تؤكد عزمه الخروج من الحياة النيابية لمصلحة نجله طوني 28 عاماً. ولكن فرنجية يقع في الأزمة التي يقع فيها جنبلاط، أي عدم القدرة على إجراء انتخابات نيابية حالياً، ولا حتى إجراء انتخابات فرعية. ومعلوم أن عدد النواب الحاليين في المجلس هو 127 وليس 128، بعد وفاة النائب عن منطقة جزين ميشال الحلو. ولم يجرِ انتخاب البديل أيضاً بسبب تعذر إجراء انتخابات فرعية، أو عدم رغبة البعض ربما.

ويقول البعض في التوريث السياسي المبكر في المردة، إنه قد يكون أحد الحلول لملاءمة المتغيرات الآتية في المرحلة المقبلة. فالنائب فرنجية يقيم علاقة تاريخية وطيدة مع دمشق منذ أيام الجدّ الرئيس سليمان فرنجية والرئيس السوري حافظ الأسد. واليوم، تستمر العلاقة بين النائب الزغرتاوي والرئيس بشار الأسد. وقد تفرض التطورات السورية نهجاً مختلفاً من جانب القوى اللبنانية مع الوقائع السورية الجديدة. وربما يكون وصول طوني فرنجية عاملاً مساعداً لرسم مقاربة جديدة. فهو قادر على أن يقيم علاقات جديدة مع دول عربية أو قوى لبنانية وعربية لم يكن والده يقيم معها اتصالات أو علاقات سياسية بسبب الظروف.

ماذا وَرِثَ الآباء وماذا يورِّثون للأبناء؟

إزاء كل ذلك، يُطرح السؤال عما يرثه الأبناء من آبائهم. فوليد جنبلاط ورث عن والده كمال جنبلاط زعامة الحركة الوطنية، والسنّة قبل الدروز، والكثير من المسيحيين والشيعة، ورصيداً عربياً وأممياً. ولكن، ما يرثه تيمور، اقل بكثير. إنها الزعامة الدرزية حصراً، مع بعض التوسيع. وأما الرئيس أمين الجميل فورث حزباً مسيحياً كبيراً، هو رأس المارونية السياسية، فيما يرث سامي الجميل حزباً يحتاج منه إلى ورشة كبيرة لإعادة تفعيله على مختلف المستويات. وأما سليمان فرنجية فورث زعامة مارونية عملاقة على المستوى الوطني، منفتحة على القيادة السورية، لكن الوضع الماروني اهتزّ، وكذلك تلك القيادة.

إنه المأزق اللبناني الشامل. مأزق الآباء يورثونه إلى الأبناء. فهل يتمكن الجيل الشاب من كسر الأطر الضيقة التي ورثها، فينفتح على المستقبل؟

* صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment