أسرار "سيّد القوم" بيد سيّده !

04/18/2016 - 12:15 PM

 

 

عبد الكريم عزوز

أطلّ علينا العرب من كل حذب و صوب بوثائق و باستنتاجات و بقذائف من الشتائم للحكام العرب ولحاشياتهم بسبب التسريبات الجديدة – القديمة - القادمة من بنما، والأخطر من ذلك هو فرح بعض السوريين بها، ظنّا منهم أنّهم وبسبب ثورتهم خرجت للعلن لتفضح الحكّام العرب ومن معهم وحتى المشاهير من عالم الفنّ والرّياضة والإعلام .. عجباً لكم يا عرب !.

في مقالي السابق ناقشت "جهلنا الموازي"، لذلك لن ألوم من سوّلت له نفسه من الإعلاميين والصّحافيين العرب وحتى القنوات والإذاعات و وكالات الأنباء للحديث عن تسريبات وهمية مُفتعلة ظنّا منه أنّها الحدث المفاجئ الذي سيغيّر موازين اللعبة في بقعة ما من هذا العالم المتهالك، لن ألوم أمّة غافلة غارقة مستهلكة، غير قادرة على التّحليل العقلاني للأمور، ولن ألوم حتى الغربيين الواثقين من تسريبات من توهمهم أنّها القنبلة الموثوقة في عالم المال، القادرة علئ إفشال نجم أو سياسي أو أيّا كان.

صحيح أنّ كلّ "جهلنا" تقريبا مخطّط له من جهات كبرى لها مخطّطاتها البعيدة المدى و الكثيرة الأذى، لدى يجب علينا فهم الأبعاد السياسية والإجتماعية و الإقتصادية لهذا النّوع من التسريبات حتى لا نضيع بين التفسيرات والتّأويلات الإعلامية المُجحفة التي تكثر في قنواتنا العربية وفي محيطنا العنكبوتي، لا يخفى على الممتهنين لسلك الإقتصاد والدّارسين له أنّ كل بنوك الأرض تخطو حسب أوامر سيد القوم "صندوق النّقد الدّولي"، ولا يخفى عليكم أيضا أنّ "الجنّات الضريبية" كسويسرا والباهاماس وبنما وغيرهم يمتثلون لأوامر سيّد القوم في الإقتصاد العالمي، و لا يخفى على أحد أن سيّد القوم مجرّد عبد عند "العم سام" وأتباعه المقرّبين. وهنا يُطرح السّؤال !.

لما أغلب - إن لم أقل كلّ- السّياسيين المذكورين في التسريبات ينتمون لمنطقة معيّنة، ألا وهي العالم العربي؟ لما العرب بالذات في ظروف كهاته؟ز

ألا تمارس أمريكا ضغطها الجوهري كلّما احتاجت إلى ذلك؟ و لما كل هذا العويل؟ ألا نعلم مُسبقا أنّ السياسين في العالم العربي أجمع يمارسون رياضة "التزلّج الضريبي"؟ هل يخفى مثلا على الجزائريين أمر "وزير بترولهم" الهارب العائد لحضن وطنه ؟ هل يخفى على التونسيين و المصريين الكمّ الهائل من الأموال التي اغتنم ويغتنم بها حكّامهم السّابقين ومن بعدهم الحاليين ؟ هل يجهل الخليجيين مدى تغلغل أمرائهم في التهرّبات الضريبية ومدى استخواذهم على العملات الصّعبة؟.

لا يوجد أي عربي يجهل السّرقات الحاصلة في وطنه من قبل مسؤوليه، لا يصحّ لسوري أن يتفاجأ بالشّركات التي يملكها "آل معروف" و لا لأي مواطن عربي آخر أن يتفاجأ بمشاريع سياسييه ومدرائه، من أقصى المغرب لأقصى المشرق، في كل بقاع العالم العربي توجد سرقات وملذّات وتهرّبات لذوي النفوذ والسّلطة، وبذلك لا يصحّ لنا الإنجرار وراء الحوار الإعلامي العقيم الذي يجعل منك متفرّجا متلقّيا لا مُحلّلا.

سبق لتسريبات أخرى أن أزعجت الحكّام العرب والسيّاسيين القابعين في المشاريع، كتسريبات ويكيليكس ومن بعدها تسريبات الحسابات البنكية عن مجموعة بنوك HSBC  والتي كان من بين المذكورين فيها، ملك البلاد "محمد السادس" الذي قام بمراسلة جريدة "لو موند" الفرنسية للردّ على تساؤلاتها، كما كان من بين المذكورة أسماؤهم مشاهير كثر من كل البلدان، فقامت الدّنيا ولم تقعد في أوروبا بسبب حسابات مدراء ومشاهير، فيما اكتفى العرب ببعض المقالات العقيمة وبعض التقارير الضعيفة مقارنة مع ما شهدته أوروبا، وحتى مع التسريبات الأخيرة "أوراق بنما" نلحظ تفاعلا كبيرا في أيسلندا مثلا وفي إنجلترا أيضا، شعوب تخرج للشوارع للتنديد بمحاسبة المتورّطين كرئيس الوزراء الأيسلندي وأخت "ديفيد كاميرون" رئيس وزراء بريطانيا، كما نلحظ تجاوبا إعلاميا غربيا كثيفاً رغم قلّة المتورّطين من السياسيين.

وبالعودة لأصل المشكل، نفهم أنّ مثل هاته التسريبات لا يكون الغرض منها الإطاحة بفلان أو فضح آخر، كل ما تفعله أمريكا هو الضغط على كلّ من سهّلت له يوماً بالتهرّب الضريبي و حضنته في مستنقعاتها المالية. هنا، قد يقول البعض أنّ التسريبات خارجة من مركز متخصّص في المحاسبة و في الحفاظ على السريّة الشخصية للزبناء، وجوابي بسيط للغاية، عودوا للفقرة الأولى من المقال التي تشرح كيف أنّ القوة العظمى في العالم تُسيّر المال و الأعمال على طريقتها، فهي من تسمح للمشاهير و الدكتاتوريين وغيرهم بالتهرّب من الضرائب ومن المحاسبة والمتابعة، وفي المقابل هي نفسها من تفضح أسرارهم عن طريق شركات تدّعي عند احتضانها لهم أنّها مستقلّة وأنّها غير خاضعة للنظّام الرأسمالي العالمي "الصهيو-أمريكي"، في حين أنّها صنيعة الخبراء والعباقرة من سلك الإقتصاد والمال، من ذويهم.

شاع خبر كثير من الحكّام العرب في السّابق بين المتهرّبين الضريبيين أو بين الهاربين بأموالهم و مشاريعهم نحو الملذّات الضريبية، وكان ملكنا من بينهم و لم يخرج أيّ بيان من لدن الدّيوان الملكي أو من لدن وزارة الإقتصاد والمالية، واليوم مع التسريبات الجديدة يظهر إسم آخر وهو "منير الماجيدي" صديق الملك ومستشاره و عرّاب "الأصالة و المعاصرة"، و لا تنتظروا ردّاً أو اعتذاراً أو شرحاً، فمثل هذه المواضيع مُحرّمة في وطننا وفي كلّ الأوطان العربية، لا تنتظروا أيّ ردّ فعل لصالحكم كشعوب بسبب التسريبات، كل ما في الأمر أنّ الموضوع يخصّ أسياد المال والأعمال بعرّابهم "العمّ سام"، لا دخل لنا في "سيّد القوم" ولا في أسياده .. فما نحن سوى أناس تستعمل أوراقاً نقدية لقضاء احتياجاتها و ما المال و الأعمال سوى حكر على "أسياد القوم".

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment