صندوق النقد في المنافع والمساوئ

04/18/2016 - 11:44 AM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

أسس المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية ثلاث مؤسسات ما زالت تعمل بقوة وتأثير لا مثيل لهما. البنك الدولي وصندوق النقد واتفاقية التجارة والتعريفات التي تحولت فيما بعد بأهدافها ومقرها الى منظمة التجارة العالمية. بعد أكثر من 70 سنة من العمل في الاقتصاد الدولي، كيف يمكن تقييم أعمالها خاصة في ظل وتوقيت اجتماع نصف السنة الذي يحصل في هذه الفترة في العاصمة الأميركية. هل كانت أعمالها كلها ايجابية وما هي طرق التصحيح كي ترتفع فعاليتها لتؤدي دورها بشكل أفضل؟ أخذ صندوق النقد أهمية كبرى مؤخرا مع تطور الأزمة المالية العالمية بدأ من سنة 2007.

من يدير الصندوق النقد فعليا؟

هنالك جدل كبير قائم حول دور الصندوق ومهمته وتأثيره على الدول النامية والناشئة. هنالك جدل كبير حول من يدير الصندوق فعليا، الدول الأعضاء أم الدول الصناعية أم الولايات المتحدة فقط. وجود البنك والصندوق في واشنطن يعطي الولايات المتحدة دورا كبيرا فيهما بل نفوذاً واسعاً. عندما أسسا، حاول "جون ماينارد كينز" ممثل بريطانيا في المفاوضات أن يجعل مقر المؤسستين خارج العاصمة الأميركية، لكن واشنطن فضلت أن تكون فيها لأن نيويورك البديلة هي عمليا "وول ستريت" وبالتالي لا مصلحة في الصاق هذه التهمة الجائرة على المؤسستين.

بعد سنوات عدة من اقراض الدول الناشئة والنامية، ها هو الصندوق يقرض الى الدول الصناعية كي تتعافى من أزماتها وتصحح أوضاعها. لا شك أن الدول النامية وخاصة الناشئة استفادت من الفترات الزمنية السابقة لتصبح قائدة للتطور الاقتصادي الدولي. ما هي العوامل الأساسية التي سمحت للدول الناشئة بتحسين أوضاعها في العقود القليلة الماضية؟ الفوائد النقدية المنخفضة، أسعار المواد الأولية المرتفعة، النمو الصيني الكبير، ارتفاع الطلب على المواد الأولية، السياسات الاقتصادية الجيدة وانخفاض العائد المالي على الاستثمارات في الدول الصناعية. عوامل كبيرة ساعدت الدول الناشئة على التطور، لكن العديد منها تغير اليوم أو انقلب رأسا على عقب كأسعار المواد الأولية والنمو الصيني.

احصائيات صندوق النقد

اعتمادا على احصائيات صندوق النقد، نرى أن أهم المقترضين مؤخرا هي دول غربية كاليونان في سنة 2010 (40 مليار دولار)، ايرلندا في سنة 2010 (29,3 مليار دولار) والبرتغال في سنة 2011 (36,3 مليار دولار). سابقا كانت الدول الناشئة هي المقترضة الأساسية، كالبرازيل في سنة 2001 (18,4 مليار دولار)، الأرجنتين في سنة 2003 (14,5 مليار دولار) وغيرها. حصل تغير واضح في الخريطة الاقتصادية العالمية لمصلحة الدول الناشئة. أما اليوم فالظروف تغيرت بسبب سقوط أسعار المواد الأولية وفي مقدمها النفط، انخفاض النمو الصيني الى حوالي النصف، ارتفاع اقتراض الدول الناشئة الى حدود غير مسبوقة خطرة كما ارتفاع الفوائد على الدولار وان يكن بنسب قليلة لكنه مؤشر مهم للمستقبل. ظروف الدول الناشئة لم تعد كما كانت خاصة في البرازيل التي تعاني سياسيا وفسادا وفي روسيا التي تعاني من العقوبات وأسعار المواد الأولية. جميع هذه المؤشرات الجديدة تصب في خانة واحدة هي تراجع المجموعة الناشئة مجددا لمصلحة الدول الصناعية.

فشل في مواجهة التحديات الأربعة الموكلة اليه

منتقدو صندوق النقد يعلقون أنه فشل في مواجهة التحديات الأربعة الموكلة اليه وهي الرقابة وشروط الاقراض وادارة الديون السيادية والحوكمة:

أولا: الرقابة وجدواها وحسن ممارستها. كيف يمكن الدفاع عن هذه الرقابة عندما يغرق المجتمع الدولي في أزمات كبيرة وقاسية كل فترة زمنية لا تتعدى ال 10 سنوات؟ هل تمارس الرقابة بشكل مهني وجيد ولماذا تحصل الأزمات اذا؟ لماذا يخطئ الصندوق في توقعاته بالرغم من اطلاعه على كافة الاحصائيات والتفاصيل؟ هل يجب تغيير طرق ووسائل الرقابة أم تغيير الأهداف؟ في الأصل، كانت مهمة صندوق النقد مراقبة أسعار صرف العملات كي لا تتغير بنسب كبيرة تسبب خضات في الاقتصاد الدولي. أما اليوم، فالصندوق يراقب عمليا كل شيء من الاقتصاد الكلي الى تفاصيل القطاعات كلها. هل كبرت المهمة وأصبح النجاح فيها مستحيلا؟

ثانيا: عندما يقرض الصندوق، يضع بالاتفاق مع الدول المقترضة شروطا تساهم في تصحيح الاقتصاد وبالتالي ترفع من نسبة التسديد اذ أن موارد الصندوق تبقى محدودة. هنالك عقد يوقع بين الصندوق والدولة المقترضة يوضح تفاصيل العقد والتسديد والسياسات الاقتصادية والمالية والمؤسساتية التي على الدولة الالتزام بها. هنالك من يقول أن الدول توقع على ما يقدم لها لأن خياراتها محدودة وبالتالي لا مجال للاقتراض من جهات غير الصندوق. هنالك من يقول بأن شروط الصندوق جائرة قصدا وبالتالي تخلو من التفكير العملي ولا تنظر الى قدرة الدول المقترضة على التنفيذ والتصحيح والاصلاح. كل هذه الأمور لا تعفي الدولة المقترضة من مهمة التفاوض الجدي والصريح مع الصندوق والحصول على شروط أفضل تكون أكثر واقعية وبالتالي يمكن تنفيذها في فترات زمنية مدروسة.

ثالثا: هنالك الكثير من الانتقادات من ناحية ادارة الصندوق لديون الدول النامية والناشئة. عبر الزمن، كانت قروض الدول الناشئة مرهقة وسببت افلاسات كبيرة في دول أميركا اللاتينية وما زالت دول عديدة تعاني منها كالأرجنتين. هل قام الصندوق بواجبه من ناحية توجيه الدول المقترضة على ادارة ديونها حتى لو لم يكن الصندوق المقرض الأساس. في السبعينات، كان المقرضون مصارف تجارية أفلس بعضها وتحجم البعض الآخر. أما اليوم، فهنالك صناديق استثمارية كبيرة تقرض الدول بفوائد عالية مرهقة للاقتصاد وللشعوب. مجددا هل تحسن الدول اختيار المقرض وشروط الاقراض؟ هنالك دور كبير بل واجب للصندوق في التوجيه وحتى في ايجاد مقرضين أفضل.

رابعا: الحوكمة والفساد وهذا يحصل من ناحيتي المقرض والمقترض. هل هنالك مستفيدون داخل الدول من الاقتراض العشوائي؟ هل يستفيد بعض السياسيين من الاقتراض غير المدروس؟ هل الاستفادة سياسية أي الوصول الى الحكم فقط أم تكون مادية أي رشوة أو حصة ما؟ هل يكون الصندوق دائما محايدا بين المقرض والمقترض؟ هنالك من يتهم الصندوق بانحيازه الى المصارف المقرضة على حساب الدول المقترضة وهذا في غاية السوء. هل تتم مراجعة أعمال الصندوق من كافة النواحي بدأ من الأخلاقية الى المالية والاجرائية كي يؤدي الخدمات المطلوبة منه. احترام الصندوق يدفع بالدول الأعضاء الى القيام بالتزاماتها تجاهه والعكس صحيح.

مراقبة أسعار الصرف وتأمين السيولة السريعة للدول

ربما يكون من الأفضل أن يعود الصندوق الى تأدية المهمة الأصلية التي وجد من أجلها وهي مراقبة أسعار الصرف وتأمين السيولة السريعة للدول التي تحتاج اليها. توسيع المهمات يؤذي دائما ويعرقل العمل وربما يسيء الى الدول الأعضاء والمؤسسة نفسها. أما من ناحية البنك الدولي، فالتهم أقل جدية لأن البنك يتعاطى بالنمو والتنمية والفقر وليس في حل الأزمات كالصندوق، وبالتالي العيون لا تتوجه اليه كما يحدث مع الصندوق.

هنالك أعمال ممتازة قام بها البنك من اقراض ونصائح، لكن المهمات الأكبر في رأينا هى الاحصائيات الكاملة والشاملة التي يقوم بها مكان الدول النامية والناشئة غير القادرة على ذلك. من دون هذه الاحصائيات، لا يمكن فهم أوضاع هذه الدول وبالتالي محاولة المساعدة والاصلاح. من الأمور المهمة الأخرى التي يقوم بها البنك هي الدراسات القيمة والبحوث الفريدة التي تساهم في مساعدة الدول النامية والناشئة على معالجة مشاكل التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والسياسات التجارية والضرائبية والزراعية وغيرها. في كل حال، هنالك من يدرس تكلفة البنك والصندوق مقارنة بالفوائد، والجدل لن ينتهي لأن السياسة والمصالح تدخل في الدراسات وتسيئ اليها.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment