طبول الفتنة تقرع في البقاع / هل ينجح المعنيون في تَوقُّع الكارثة قبل وقوعها؟

08/31/2015 - 16:45 PM

كتبت ميشلين أبي سلوم*

لماذا تُقرع طبول الفتنة في البقاع؟ هل حان وقت إشعال نار الفتن في الداخل اللبناني؟ مَن يتحمّل المسؤولية الدينية والتاريخية في حال اندلاع حرب مذهبية لا تُبقي ولا تذر؟

كيف يمكن لوطن التعايش والتعددية أن يتجنب السقوط في مهاوي العنف والثأر والحقد؟

تساؤلات، وغيرها كثير، فجّرت هواجس القلق والحذر لدى اللبنانيين، على إيقاع هذه الحملة المتصاعدة ضد عرسال، وأهلها الطيبين، الذين يدفعون الأثمان الباهظة لتلكؤ الدولة وعجزها، عن حمايتهم من تسلّط المسلحين من جهة، ومن حصار الأشقاء وأبناء العم، من جهة ثانية!

التصعيد في الخطاب السياسي لحزب الله ضد عرسال، وما يواكبه من حملات تعبئة وتجييش وتحريض في القرى البقاعية المجاورة، يطرح أكثر من علامة استفهام كبيرة:

لمصلحة مَن تفجير الفتنة المذهبية في لبنان؟

لا بدّ من الاعتراف أولاً بأن ثمة إشكالية حول الوضع في عرسال، يريد البعض أن يجعل منها مشكلة، ويحوّلها إلى أزمة أمنية ووجودية، تبرّر له استهداف البلدة وأهلها في حرب مدمرة، رغم ما يترتب على مثل هذه الحرب من زلازل وارتدادات، قد تعمّ مختلف المناطق، وبالتالي تهدد وحدة الأرض والشعب.

وثمة مخاوف لدى البعض من تنفيذ 7 أيار عرسالية. فالتركيز الإعلامي على حجم الإرهابيين والمقاتلين السوريين الذين دخلوا عرسال، ودورهم في التحضير لعمليات تخريبية، قد يمهد للمواجهة المقبلة، بعد أن يكون الجيش قد إنغمس في الوضع الداخلي العرسالي.

ويظنّ أصحاب هذا الرأي أن الحزب يريد من قوى الجيش والأمن الداخلي أن تقوم بالمهمة التي يحاذر هو القيام بها، أي تطويع عرسال. فالمغامرة من جانبه قد تُفجِّر فتنة مذهبية لا يريدها.

معركة القلمون السوري الأخيرة

ففي خضم معركة القلمون السوري الأخيرة، بدأ حزب الله يلوِّح بضرورة حسم الوضع في عرسال، أي عملياً باقتحامها، إستناداً إلى كون البلدة جسراً تمرّ به العناصر السورية الإرهابية القادمة إلى لبنان، والتي تشكّل خلايا أمنية هي موضع متابعة أيضاً من الأجهزة الرسمية اللبنانية.

ومع تراجع حدة المعركة، يوجِّه الحكماء نداءً جديداً إلى الذين يعنيهم الأمر، إذا وُجِدوا: أنقذوا عرسال. ولمرَّةٍ، هل ينجح المعنيون في تَوقُّع الكارثة قبل وقوعها... علماً أنهم تأخَّروا كثيراً.

اليوم تُعاقَب عرسال على خطيئةٍ إرتكبَتْها، وهي أنها أخذت في صدرها إحتضان الهاربين من النار السورية: الأطفال والنساء والشيوخ والرجال الذين منحهم أهل عرسال بيوتهم، وتعاطفوا معهم من باب الإنسانية والجيرة والقرابة والانتماء.

في عبارة أشدّ وضوحاً، منح العرساليون ٦٠% من بلدتهم للسوريين: بلدة ال40 ألف نسمة باتت بلدة الـ 90 ألفاً. وعملياً، بات أهلُها ضيوفاً لدى ضيوفهم. وبدأت البلدة تتعرَّض لخطر الإنفجار، وهذا درس يمكن أيضاً إنطباقه على لبنان بأسره.

وفوق ذلك، يخشى العرساليون مغامرة عسكرية في بلدتهم. وهكذا تبدو هذه البلدة اللبنانية يتيمة ووحيدة وضعيفة ككبش فداء ومتروكة في أقاصي الجرد اللبناني - السوري. ولا يتاح للجيش اللبناني طمأنة أبنائها، فيما هو يلاحق مصير مخطوفيه ويخوض مواجهة قاسية لمنع تمدُّد الإرهابيين وإحتلالهم بلدات بقاعية أخرى.

وأما في المواجهة المحتمل أن يخوضها حزب الله على أرض البلدة أو في جرودها، فربما تتحوَّل فتنة مذهبية شاملة، لأن تيار المستقبل ليس في وارد التعاطي بخفَّة مع الملف. وهو أوضح هذا الموقف ليفهم الجميع مخاطر المغامرة.

ويبدو أن الحزب ترك المهمة للجيش اللبناني في الدرجة الأولى، لكنه أعلن أن أهل الهرمل سيقومون بتطهير جرود البلدة بأنفسهم إذا لم يفعل ذلك الجيش، وأن الحزب لن يترك تكفيرياً واحداً على أرضنا. وهنا تكمن المواجهة المحتملة ومخاطرها: أين تبدأ الكارثة وكيف تنتهي؟

في الأيام الأخيرة، بعد تراجع الحرب في القلمون، أحكمت قوات الجيش النظامي السوري وعناصر حزب الله السيطرة على المنطقة المشرفة على أرض تابعة لجرود عرسال، وهي تسمى "الكيشك" وتابعت التقدّم في اتجاه جرود فليطة وصولاً إلى الحدود في منطقة الفختة وبركة الفختة شرق جرود عرسال. وأعلن الحزب أنّ أغلب معابر المسلحين بين جرود عرسال وفليطة والجراجير باتت تحت سيطرته النارية.

وينفّذ الحزب عملية إلتفاف نحو منطقة جرود عرسال اللبنانية من الخاصرة السورية بهدف إنجاز طوق ناري واسع على مسلحي المعارضة السورية في داخلها، والحد من تحركهم وإتصالهم مع الجرود القلمونية السورية. وهو يثبت مراصد ونقاط إستهداف بعيدة المدى على التلال، لتكون له سيطرة نارية على معبري الزمراني والحمرا الفاصلين بين الأراضي اللبنانية والسورية، ومن جهة الداخل الجردي السوري، يسيطر نارياً على معبر مرطبيه الفاصل بين جردي فليطة وقارة، والذي يعتبر ايضاً شرياناً حيوياً لبلوغ جرود عرسال.

وهذا التحرك واكبه خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي طرح معادلة جديدة تتعلق بجرود عرسال، اذ لمّح الى ان الحسم فيها تحصيل حاصل، في حين يبقى التعامل مع عرسال كما هو، فأهل عرسال هم أهلنا كما قال.

ويخشى البعض أن تؤدي استراتيجية حزب الله في جرود عرسال إلى فرار المسلحين منها نحو عمق البلدة اللبنانية. وهناك تصبح عرسال بأهلها والنازحين إليها والمسلحين في وضعية الحصار، فتقع المواجهة إما بين أهل البلدة والمسلحين وإما بين أهل البلدة ومحيطها المحسوب على حزب الله، فيما الجيش مصاب بالإرباك في مواجهة ذات طابع فئوي.

ومن هنا، فإن عامل الإستقرار يبقى الجيش اللبناني الذي يضبط حدود التوتر عند المصلحة الوطنية اللبنانية، ويحول دون حصول انفجار يبدأ مع حزب الله في عرسال، ويتحول فتنة مذهبية.

أزمة وطنية – الى متى

وملف عرسال سيُشكّل مدخلاً لأزمة وطنية كبرى في حال إصرار حزب الله على مواصلة ما بدأه في القلمون باتّجاه عرسال، وقد لا تنجحَ الحكومة ولا الحوار بين المستقبل والحزب بالصمود في وجه هذه العاصفة، خصوصاً أنّ ما انطبقَ على نهر البارد وعبرا وطرابلس وسجن رومية من غطاء سنّي لن ينسحبَ على عرسال.

ونَقلت مصادر نيابية عن الرئيس نبيه برّي قولَه في هذا السياق إنّ الجيش يقوم بمهمّاته في عرسال، ويؤكّد أنّه يُمسِك بزمام الأمور في المنطقة وعينُه عشرة عشرة، ويَبقى علينا أن نتابع موضوع النازحين في عرسال في ضوء ما طُرِح في شأنه على طاولة الحوار في الأسابيع الأخيرة، وإنّني شخصياً أنوي متابعة هذه القضية لإيجاد الحلول المناسبة التي تؤدّي إلى نقل هذا العبء الكبير من النازحين على البلدة لتأمين سلامة عرسال وأهلِها بحِمى الجيش وحماية ظهرِه.

ولوحظ أنّ كلام الرئيس الحريري عبر تويتر عن عرسال، وقوله إنّها ليست مكسَر عصيان حزب الله جاءَ بعد 24 ساعة من إثارة باسيل موضوعَ عرسال في مجلس الوزراء ومعلومات عن احتمال مهاجمة المسلّحين عرسال واحتلالها.

إذا كان ثمة رغبة بمعالجة وطنية صحيحة وصحيّة لوضع عرسال، فالمجال مُتاح أمام القوى السياسية المعنية، وخاصة تيّار المستقبل وحزب الله، للتوافق على خطة أمنية تكلّف القوى الشرعية من جيش وقوى أمن، بتنفيذها برعاية ومواكبة السلطة الحكومية، خاصة وأن التوافقات السابقة بينهما، على الخطط الأمنية، قد أعطت ثمارها، في أكثر من منطقة مضطربة.

نوايا لاستهداف عرسال

أما إذا كانت ثمة نوايا لاستهداف عرسال، وتكرار مَشاهِد الفتن المشتعلة في سوريا والعراق واليمن، فهذا يعني الإطاحة بكل ما تبقى من أسس ومبادئ للعيش المشترك بين اللبنانيين، والذهاب إلى جهنم الحروب الطائفية والمذهبية، وما يحصل فيها من أهوال ومجازر تفجّر الأحقاد المدفونة منذ مئات السنين، وتُنهي أسطورة التعايش والاختلاط بين أبناء الديانات والمذاهب، وتفتح أبواب الفرز الديموغرافي، الذي يتناسب مع الخرائط المسمومة الموضوعة لتقسيم بلدان المنطقة، وإنشاء الدويلات الطائفية والعنصرية على أنقاضها!

ليس في هذا الكلام أي تهويل ومبالغة، بقدر ما هو محاولة لاستكشاف تداعيات الانزلاق إلى الفتنة العمياء في عرسال، بغض النظر عن الشعارات والمسميات.

وفي الخلاصة، تبقى عرسال في دائرة مليئة بالألغام المتنوعة المصادر، وهي صابرةٌ وحيدةً وتواجه انفجار هذه الألغام بلا غطاء لبناني رسمي، وفي ظل انقسام بل تناقض في المصالح الفئوية. فمن ينقذ هذه البلدة اللبنانية التي لطالما زوَّدت الجيش برجال بذلوا التضحيات من أجل لبنان؟

* صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment