نيسان لبنان لا يتغيّر.. جمهوريات إنفصالية وحروب إلغاء على الكيان

04/12/2016 - 17:46 PM

 

طوني أبو روحانا 


أربع عقود مرّت، تخطيناها بسنة، وما تخطينا ولو لوهلة ذاكرة الحرب، نستحضر إمكانية عودتها في يومياتنا، كأنها تحصيل حاصل، تلك الذكرى التي لا يُمكن أن ننساها، بعضنا لأنه احترف التعايش معها، وبعضنا الآخر لأنه احترف صناعتها، وبعض، ويبدو، أنه أغلبيتنا الساحقة، ضحيتها، يخشى أن تتكرر، وجميعنا ما استخلص يوماً عبرها.

مَن واكب سنوات الحرب اللبنانية، يُدرِك تماماً أن تركيبة الصراعات الراهنة لم تعد نفسها، وأن معركة الإنتماء الغابرة، قد اتخذت اليوم أبعاداً إنقسامية وتحولات أكبر بكثير مـن تلك التي ضربت يوماً عمق هوية المواطن والولاءات المُتعَدّدة، وباتت مع محور المُمانعة المُتَرَسّخ في الداخل، تضرب عمق هوية لبنان كوطن وكيان مُستَقِل، وعمق الجمهورية شعباً ومؤسسات، استراتيجية مؤامراتية مُتراكِمة، ربما بدأ تنفيذ ديناميتها يوم وضعت حرب الديانات أوزارها، وربما قبل ذلك، ولربما تكون الأثمان الباهظة التي أنتجتها حرب الشرقية والغربية، والمعـابر ما بين المناطق، والخطف على الهوية المُلَوَثة بطائفة صاحبها، أخف وطأة من أخطر مُفترق يُمكن أن يواجهه لبنان اليوم.. مذهبة اللبننة او الإلغـاء.

قد يكون استذكار التاريخ في مرحلة كالتي تمر بها البلاد حالياً، أفضل ما يُمكن مـن خلاله أن نستخلص العبر، ودروس حرب عصفت بلبنان في لحظة ما من يوم أسود كالثالث عشر من نيسان 1975، وعلى الرغم من اختلاف الظروف والوجوه ومعظم الأدوات، لابد مـن تظهير المساحة الجامعة ما بين حرب في ماضيها مـن المشاهد المجنونة ما خاضه اللبنـانيون قسراً وإرادة، ومعانـاة حاضر لا تحتاج أي تظهير لتُنبئ بتـاريخ قد يعيد نفسه وإن أصر بعضهم أن الأسباب التي تقود الى الحرب لم تعد موجودة، فهناك في المقابل أكثر من بعضٍ، يُصِر أيضاً أن الأسباب اليوم باتت أقوى والأهداف أهم، وأن حجم المؤامرة بات أضخم من أن يُشعِل حرباً فقط، إنما يكاد يُلامِس مَحو جمهورية بأكملها عن الخارطة.

تجربة أليمة اقتنع الجميع بعدهـا أنها ما أصـابت سواهم ولبنـان الذي قاتلوا مـن أجله فما قتلوا سواه، إنما وفـي عز تلك الحرب المشؤومة، ورغم شراستهـا والقناعات والخيارات المُختلفة، والنزاعـات والوطن البديل والجيوش الرديفة، استمرت ضمانة لبنـان بأغلبية شعبه، واستمر ضخ الحياة فـي شرايين وطن مغلوب علـى أمره من دماء مواطنيه، ما قاتلوا إلا دفاعاً عنه وعمّا اعتقدوه حقهم، ودفعاً لظلم كُلٌ تصوره مـن منطق مُختلف أنه لحق به، عِبَر حرب القرن الماضي لا تنطبق على مُجريـات الأحداث فـي المرحلة الراهنة وإن تشابهت المشاريع في بداياتها، فما استُخلِص منذ الطائف لم تلحظه أجندة طهران وأدواتها، ولا الذين يسعون اليوم الى حقوق في الطوائف واستحضار ذاكرة كانتوناتها.

بعد أكثر من مئة ألف لبنـاني خطفهم الموت ومئـات الآلاف من الجرحى والمعوقين، اكتشف اللبنـانيون أن قدرهم أن يعيشوا معاً، وأن الجمهورية اللبنـانية هي حق لهم جميعاً بالعدل والمُساواة والشراكة والمُناصفة، إكتشاف وإن أتى مُتأخراً خير مـن ألا يأتي أبداً، إنمـا وفي المقابل، هناك مَـن بدأ يكشف اليوم عـن وجهه الحقيقي، ينزع قناعه ويحاول الإنفصـال، او يُحَرض ويدفع في اتجاهه، يُرَسّم حدود الجمهورية علـى مقـاس أطمـاع جمهوريات تستدرج عودة مساحات الحقد والإنقسام من جديد.. لبنـان الجمهورية علـى عتبة استحقاقات مفصلية ومرحلة أكثر من مصيرية، فإما أن يخوض معركة بقاء ووجود موحداً فينجو، وإما أن تخوضها الطوائف هزيمة وطن، نيسان ال75 لا يُشبِه أبداً نيسان ال2016، إنما نيساننا الراهن أشد خطراً من أي نيسان سبقه، إنه نيسان ما تبقى من جمهورية.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment