13 نيسان: أقلب الصفحة

04/12/2016 - 17:18 PM

 

 

أنتَ كاذبٌ، أيها اللبناني. والكذب هو حقيقتكَ العليا، وحقيقتكَ الباطنية.

فأنتَ لم تقلب صفحة الحرب يوماً لأنكَ لم تُصَفِّ حسابكَ معها، ولم تخرج منها.
أنتَ كاذبٌ من رأسكَ إلى أخمصكَ، لأنّك لا تكرهها. بل تتمنّاها. وتتعمشق بها. وأنتَ تعشقها، ربما غصباً عنكَ، وتُمرّغ جبهتكَ وأنفكَ وغرائزكَ في وحولها ودمائها، وتتمنّى لو تجد مدفناً فيها، لكَ ولذرّيتكَ من بعدكَ.
فلماذا تكذب، ولماذا توهم نفسكَ، وتوهمنا، بأنكَ قَلَبْتَها إلى غير رجوع؟
ثمّة في أعماقكَ السرية وكرٌ يرفض تسكير الصفحة. قوةٌ ما، مثل سلطان الجاذبية، لا تُقاوَم، تدفعكَ دفعاً إلى هناك. وأنتَ، تجد نفسكَ مأخوذاً بها، متماشياً معها، من غير أن تدري كيف ولماذا.
كلّما ظننتَ أنّكَ قَلَبْتَها، خرج من رأسكَ ماردٌ يشدّ بكَ إلى الوراء. إلى التفرقة. إلى التشرذم. إلى التمزّق. إلى الهوة. إلى الهاوية. إلى القتل. إلى فردوس الدم التفكيكي، الطائفي والمذهبي.
أقول "أنتَ"، وأقصد "أنا" نفسي أيضاً.
فأنا أيضاً، كاذبٌ مثلكَ، يا "أخي" اللبناني. وأنا في حقيقتي شيطانٌ، مثلكَ، في ثياب ملاك. وأيّ ملاك!
فإيّاك أن تشعر بالإهانة. لأنّ مَن ساواكَ بنفسه ما ظلمك.
تعال نفتح هذه الصفحة اللعينة، قبل أن نفكّر في تسكيرها وقلبها. ولنضع كل شيء على الطاولة: Cartes sur table.
أنتَ كلّكَ، رأسكَ وقلبكَ وجسمكَ، غير كيانيّ، وغير دولتيّ.
أنتَ تفتيتيٌّ، طائفيٌّ، ومذهبيّ. تفكّر في لبنانكَ، على قياسكَ وقياس زعيمكَ وقياس طائفتكَ ومذهبكَ ومصالحكَ. فكيف تقول لي إنك تريد أن تقلب الصفحة؟!
أنا كلّي، رأسي وقلبي وجسمي، غير كيانيّ، وغير دولتيّ.
أنا تفتيتيٌّ، طائفيٌّ، ومذهبيّ. أفكّر في لبناني، على قياسي وقياس زعيمي وقياس طائفتي ومذهبي ومصالحي، فكيف أقول لكَ إني قلبتُ الصفحة؟!
أنتَ "تعبد" لبنانكَ ومنطقتكَ وجماعتكَ، وأنا "أعبد" لبناني ومنطقتي وجماعتي.
أنتَ تكره لبناني، وأنا أكره لبنانكَ.
لكننا متفقان "على" هدف واحد: فأنتَ ترفض الدولة، وأنا أرفض الدولة.
نقول بالدولة، على أن تكون الدولة، كلٌّ على قياسه.
نقول بها، لكننا نقتلها، إذا كانت على قياس الوطن. فكيف نخرج من الحرب... إلى الدولة؟!
نحن إذاً كاذبو وطن كلّنا، يا "أخي"، ونحن زعران كلّنا.
فكيف نقلب صفحة الحرب؟!

 

النهار

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment