الفدرالية في سوريا مشروع حروب طويلة… الأكراد يريدون ولكن هل يستطيعون؟

03/29/2016 - 14:18 PM

 

 

د. فادي الأحمر

 

خمسة أعوام مرت على بداياتها، لكن الحرب في سوريا لا تزال تحمل المفاجآت. آخرها إعلان “اقرار النظام الفدرالي في روج آفا – شمال سوريا” و “الاتفاق على تشكيل مجلس تأسيس للنظام الفدرالي” الذي يضم ثلاث مقاطعات كردية، كوباني (في ريف حلب الشمالي)، وعفرين (في ريف حلب الغربي) والجزيرة (في الشمال – الشرقي). صدر الاعلان عن اجتماع عدد من الشخصيات العربية والكردية والسريانية والأشورية والتركمانية والأرمنية في رميلان في محافظة الحسكة. وقد أتت ردود الفعل السورية والإقليمية سريعة ورافضة، معتبرة أن الخطوة بداية تقسيم لسوريا، على رغم ذكر المجتمعين في رميلان تمسّكهم بوحدة الاراضي السورية.

مفاجأة رميلان سبقتها مفاجأة شبيهة أتت من موسكو. ففي 29 شباط الماضي صرّح سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، أن بلاده تأمل في أن يتوصّل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء “جمهورية فدرالية” للحفاظ على وحدة أراضي البلاد. ولاحقاً صرّح منسّق الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، بامكانية “مناقشة الفدرالية في المفاوضات”. تلك التصريحات شكّلت صدمة للمعارضة ولداعميها الإقليميين.

موسكو وواشنطن لم تعلنا دعمهما لـ “إعلان رميلان”. ولكن لهما مصلحة في  إقامة نظام فدرالي في سوريا. لماذا وكيف؟

بالنسبة الى الولايات المتحدة الأميركية، يشكّل تقسيم سوريا او اعتماد الفدرالية فيها جزءًا من خطّة “الشرق الأوسط الجديد”. بعد قرابة قرن على اتفاقية “سايكس – بيكو” تريد واشنطن إزالة الدول “الكبيرة” التي أنشئت في منطقة الشرق الأوسط وأزعجت سياستها على مدى أكثر من نصف قرن. وسوريا كانت الدولة الأكثر إزعاجاً بالنسبة إليها منذ خمسينيات القرن الماضي. وقد شكّل سقوط الاتحاد السوفياتي في نهاية ثمانينات القرن الماضي وتربّع الولايات المتحدة الأميركية على “عرش الحكم العالمي” فرصة تاريخية لإعادة رسم حدود الدول بحسب مصالحها. فالدويلات المذهبية والاثنية تؤمن لها إحكام سيطرتها على المنطقة كما تبعد الخطر عن حليفتها اسرائيل وتبرّر وجودها كدولة دينية – يهودية.

تجدر الإشارة الى أن هذا المشروع الذي رسم تفاصيله المحافظون الجدد، حكي كثيرًا أنه كان سيطبق في لبنان منذ بداية الحرب العام 1975. ولكنه لم ينفذ وبقي في إطار التكهنات على رغم خطوط التماس الكثيرة العسكرية والسياسية التي رسمت في خلال الحرب وانتهت مع الطائف.

المحاولة الثانية كانت بإسقاط نظام صدام حسين في العراق. وقد نجحت الى الآن. فالعراق اليوم هو فدرالية الأمر الواقع. ويبدو ان الأكراد فيه سيقتنصون الفرصة التاريخية لإعلان دولتهم. سوريا اليوم تشكّل الخطوة التالية في مشروع “الشرق الأوسط الجديد”. تقاسم مناطق النفوذ بين القوى المتحاربة والنزوح الكثيف يؤشّر الى اعتماد خيار الفدرالية أو التقسيم. وكما في العراق، كذلك في سوريا، بدأت إرهاصات اعتماد المشروع في المنطقة ذات الغالبية الكردية.

بالنسبة الى روسيا، أن سوريا حليف تاريخي ذات موقع استراتيجي في المنطقة العربية، وعلى حدود النفط والغاز وعلى شرق المتوسط. عربياً، إنها آخر “موطئ” قدم روسي بعد اجتياح العراق وسقوط القذافي. وهي المعبر البرّي الأساسي والإلزامي للنفط والغاز من دول الخليج وإيران نحو البحر المتوسط ومنه الى الدول المستوردة في أوروبا (التي تسعى الى تخفيض اتّكالها على الغاز الروسي). والساحل السوري هو موطئ قدم استراتيجي للأساطيل الروسية على شرق المتوسط. وهي قاعدة جيواستراتيجية لروسيا البعيدة جغرافيا عن “المياه الدافئة”. في ظل عدم قدرتها على السيطرة على كامل الجغرافيا السورية، من مصلحة روسيا اعتماد الفدرالية وإحكام سيطرتها على “الإقليم” أو “الدويلة” التي ستقوم على الساحل السوري وعلى “سوريا المفيدة”. وقد أظهر القصف الجوي الروسي منذ بدايته في أيلول 2015 أن موسكو تعمل للسيطرة على الخلفية الجغرافية للساحل السوري في سهل الغاب وريفي حماه وإدلب. وهي اليوم تحاول السيطرة على حلب وريفها.

هذا في مصالح الدول الكبرى. ولكن ماذا عن الواقع على الأرض؟ هل هو جاهز لاعتماد الفدرالية كحل للأزمة وإنهاء الصراع؟

بغض النظر عن “إعلان رميلان”، هناك عوامل عديدة تؤشّر الى جدّية اعتماد خيار الفدرالية كحلّ للأزمة السورية. ابرزها الفرز الديموغرافي وظهور مناطق نفوذ على أساس طائفي أو اثني تساعد في اعتماد الفدرالية، لا بل تدفع باتجاهه كحل وحيد لإنهاء الصراع.

في الشمال والشمال – الشرقي هناك سيطرة كردية لا منافس لها، وتحديداً لحزب الاتحاد الديموقراطي برئاسة صالح مسلم. أما في باقي المناطق السورية، فقد أدّت المعارك الى حركة نزوح وهجرة كبيرتين من مناطق مختلفة في الجغرافيا السورية ربّما ستؤدي الى فرز سكاني على أساس مذهبي. بحسب أرقام مؤسسات الأمم المتحدة بلغ عدد النازحين حوالي 11 مليون نسمة، أي ما يقارب نصف الشعب السوري البالغ عدده حوالي 23 مليون نسمة. عدد اللاجئين بلغ حوالى 4 ملايين، يتوزّعون بين تركيا (1.8 مليون) ولبنان (1.2 – الرقم غير الرسمي أكبر بكثير) والأردن (600 ألف). أما النازحون في الداخل السوري فعددهم حوالى 7.6 ملايين نسمة!

الدمار الكبير في مناطق الصراع لا يؤشّر الى عودة قريبة لا للنازحين ولا للاجئين بطبيعة الحال، حتى ولو صمد وقف النار الأخير (رقم 2268) الذي أقرّه بالإجماع مجلس الأمن الدولي. في بعض المناطق عمد النظام الى تدمير قرى وأحياء بكاملها تقطنها غالبية سنّية وذلك بهدف تغيير ديموغرافي تحضيراً لاعتماد الحل الفدرالي أو التقسيم. والسبب ان النظام على يقين من عدم قدرته على استعادة السيطرة على كامل البلاد. ويحضّر لاعتماد “الخطة ب” ألا وهي إقامة دولة علوية أو منطقة حكم ذاتي على الساحل السوري يكون لها عمق جغرافي في سهل الغاب كي تكون منطقة قابلة للحياة.

ولكن على رغم الطرح الروسي و “إعلان رميلان” الكردي وحركة النزوح الكبيرة، فإن طريق الفدرالية لن تكون معبّدة في سوريا. المعارضون لها كثيرون في الداخل وفي الاقليم. والسبب أن اعتمادها سيكون له تأثير مباشر على وحدة لبنان، الدولة المركّبة من فسيفساء دينية ومذهبية. كما أن قيام أي كيان كردي في سوريا سيكون له تأثير مباشر على وحدة الأراضي التركية، حيث يشكّل الأكراد حوالى 20 في المئة من السكان ويتركزّون بشكل أساسي في جنوب – شرق تركيا. وإيران لن تكون بعيدة عن تأثير قيام كيانات كردية في العراق وسوريا على وحدة أراضيها، كونها تضم أكراداً يصل عددهم الى حوالى 4 ملايين نسمة. أما الدول العربية فلن تتخلّى بسهولة عن سوريا العربية الموحّدة. بالتالي فإن أي طرح فدرالي أو تقسيمي في سوريا هو مشروع حروب طويلة الأمد لن تنحصر في الجغرافيا السورية إنما ستمتد الى دول الإقليم. وها هي إرهاصاتها قد بدأت في تركيا.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment