معاني السياسات الاقتصادية الهندية

03/24/2016 - 12:08 PM

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

بدأت قوة "الأسد الهندي" تظهر دوليا ليس في الاقتصاد فقط وانما في السياسة أيضا. أصبح للهند صوتا يتعدى أسيا ليصبح دوليا. لها صوتا معنويا ينبع من فلاسفتها، وفي مقدمهم "غاندي" الذي ولد في 1869 وعلمنا الكثير في مواجهة العنصرية والعنف والاستعمار. من أقواله "ليس عندي أي جديد أنقله للعالم، فالحقيقة والسلم هما قديمان جدا". في الواقع، تحقق الهند منذ سنة 2010 نموا سنوا يتراوح بين 6 و 8% وهذا مدهش لدولة بهذا الحجم.

النمو ومحاربة البطالة

يبقى الناتج الفردي منخفضا في حدود 1600 دولار أميركي، مما يشير الى وجود عاملين فقر عميق وسوء توزع مقلق للدخل بين الطبقات الشعبية. يحاول رئيس الوزراء "مودي" جذب الاستثمارات الخارجية الى بلده لهدف النمو ومحاربة البطالة، لكن النجاح ما زال جزئيا. سافر الى أهم الدول الغربية وروسيا ووقع اتفاقيات دفاعية كبيرة مكلفة، ربما تجذب استثمارات اقتصادية فيما بعد. اقتنعت الحكومات الهندية المتعاقبة بدور مهم للقطاع العام في الاقتصاد اذ لا يمكن الاتكال على القطاع الخاص في كل شيء. فكما يفشل القطاع العام في تأدية دور فاعل في الاقتصاد، كذلك يفشل القطاع الخاص أحيانا في اعطاء المستهلك حقوقه وفي انتاج أفضل السلع والخدمات بأسعار لا تستغل المواطن.

تعاني الهند من عجز كبير في الموازنة يقدر بـ 8% من الناتج ومن دين عام يقارب 70% من الناتج. هنالك عجز في الميزان التجاري ينعكس عجزا في ميزان الحساب الجاري مع فائض في ميزان المدفوعات بسبب قدوم رؤوس الأموال أهمها للاستثمارات وأيضا تحويلات ملايين الهنود العاملين في الخارج وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي. يتحول هذا الفائض الى احتياطي نقدي مهم وصل الى 364 مليار دولار السنة الماضية أي تغطية 8 أشهر من الواردات وهذا جيد. طبعا يمكن للهند أن تحقق نتائج أفضل ليس فقط تحسينا للمؤشرات المالية المذكورة، وانما خاصة لمعالجة موضوع الفقر وتخفيف معاناة الأرياف من كل الخدمات الحياتية الأساسية.

تشجيع الخلق والتجديد والابتكار

المطلوب سياسات مرنة وذكية تساعد النمو، علما أن الهند استفادت كثيرا من انخفاض سعر النفط فتدنت فاتورة الاستيراد بنسب سنوية مرتفعة قاربت 7% مؤخراً. سمح هذا الهبوط أيضا للحكومة بتخفيف دعمها للطاقة وللمواد الضرورية للزراعة.

عموما، يتحقق النمو الاقتصادي الحديث عبر سلسلة من الانجازات المتلاحقة تساهم في تشجيع الخلق والتجديد والابتكار وفي تطوير البنية التحتية المناسبة. يتحقق أيضا عبر تنويع الاقتصاد كي لا يعتمد على قطاع واحد، بل تؤثر ايجابا القطاعات على بعضها البعض. لا يمكن للأسواق وحدها أن تحقق هذه النقلة النوعية المطلوبة، فلا بد للقطاع العام من أن يتدخل عبر القوانين والاجراءات المناسبة. المطلوب من القطاع العام تطوير برامج التعليم مثلا التي تشكل المصدر الأساسي للابداع والانتاجية. هنالك دور أساسي للقطاع العام في تمويل بعض النشاطات الابداعية خاصة الجديدة، بحيث تكبر وتتأهل تدريجيا للمنافسة القوية في الأسواق. انتاج المعرفة يختلف كليا عن انتاج السلع والخدمات العادية.

سياسات اقتصادية مالية ساهمت في توتير الاقتصاد الدولي

خلال القرن الماضي، تحققت سياسات اقتصادية مالية ساهمت في توتير الاقتصاد الدولي وفي خلق أزمات خطيرة في أسيا وأميركا اللاتينية وعالمية. نتج عنها مشاكل كبيرة في الموازنات وأزمات مالية عميقة تحولت نقدية أي انهارت معها أسعار الصرف حتى الأساسية منها. ارتفعت مستويات الدين العام في كل الدول خاصة الناشئة. لم تكن السياسات المالية والنقدية بالمستوى المطلوب.

فالأولى أنتجت هدرا وفسادا وأثقلت المواطن والشركات بأنظمة ضرائب جائرة وغير فاعلة. ساهمت السياسات النقدية في احداث تضخم كبير في معظم الدول التي اعتمدتها خطأ لتحقيق النمو. كانت هنالك أزمات مصرفية أيضا ضربت توزع الاقراض وبالتالي حولت النمو الى أماكن خاطئة، فتوسعت فجوات الدخل والثروة. هنالك اجماع علمي اليوم يقول بأن هدف السياسة النقدية الرئيسي يجب أن يكون ضرب التضخم، وهدف السياسة المالية الأول مساعدة النمو وبالتالي تخفيض البطالة. لا مانع من تنسيق السياستين المستقلتين كي تتحقق الأهداف الايجابية كلها في نفس الوقت.

هنالك سياسات اقتصادية تشجع على تغيير هيكلية الاقتصاد أي تحسن تنويعه بين القطاعات المختلفة وتساهم أيضا في خلق اقتصاد المعرفة الذي لا بديل عنه في الألفية الثالثة. تتوجه هذه السياسات نحو تصحيح خلل الممارسة ليس فقط في السياسات العامة وانما أيضا في عمل القطاع الخاص. من أهم جوانب هذه السياسات تصحيح خلل توزع الدخل بين الطبقات الشعبية بحيث تتحسن قدر الامكان أوضاع الفقراء. تهدف السياسات الاقتصادية الى خلق المناخات المناسبة لجذب الاستثمارات وبالتالي توسيع القاعدة التصديرية التي تجذب النقد الصعب الى الاقتصاد الوطني.

المشاكل الأساسية التي تعاني منها الهند

ما هي المشاكل الأساسية التي تعاني منها الهند والتي تسيء اليوم الى فرص نموها وتطوير اقتصادها وقطاع الأعمال داخلها؟ ما هي أبرز العوائق التي تمنع الهند من تحقيق طموحاتها المحقة؟ نشير الى أربعة منها:

أولا: امكانية تطبيق الاصلاحات أي الحصول على موافقة المجلس النيابي المنقسم، بما فيها الاصلاحات الضرائبية الجاذبة للاستثمارات في مستوياتها وآلية تطبيقها.

ثانيا: وجود تضخم قوي يقارب ال 10% وهذه نسب لم تعد مقبولة اليوم مع تطور العلم وتحسن ممارسة السياسات الاقتصادية. جذب الاستثمارات يفرض النجاح المسبق في ضرب التضخم، علما أن الهند تنعم بحاكم مصرف مركزي مشهود له بالكفاءة على المستوى العالمي في الأكاديميا والممارسة.

ثالثا: المطر الخفيف الذي يجعل المياه أكثر ندرا ويعرقل نمو القطاع الزراعي الأساسي لدولة تحتوي على 1,3 مليار شخص.

رابعا: تحتاج الهند الى اصلاحات كبيرة في قطاعات الطاقة انتاجا وتوزيعا، كما في قطاعي التعليم والصحة بحيث تصل جميعها الى المناطق الفقيرة وسكان الريف. وضع الرئيس "مودي" صندوقا لتطوير البنية التحتية بقيمة 6 مليارات دولار نصفه من القطاع العام. تكمن العبرة في التنفيذ ضمن الوقت والنوعية المناسبين.

بالاضافة الى تحديد سياسات اقتصادية، مالية ونقدية فضلى تساهم في تحقيق الاستقرار، ما هي التحديات الأساسية التي تواجه الهند والتي تفرض تنفيذ سياسات هيكلية جديدة لمواجهتها؟

أولا: على الهند أن تستفيد أكثر من الطاقات الانسانية الشابة التي تحتويها. فالنمو السكاني لا يجب أن يكون عبئا فقط بل يجب أن يعطي قدرة كبيرة على الانتاج لرفع مستوى المعيشة. هنالك أكثر من 100 مليون شاب وشابة سيدخلون سوق العمل في السنوات العشرة القادمة ويجب على الاقتصاد أن يستوعبهم.

ثانيا: الاصلاحات مطلوبة في أسواق السلع كما في أسواق العمل مما يساهم في تحسين مناخ الاستثمار الجاذب لرؤوس الأموال الخارجية. هنالك مستثمرون هنود ناجحون جدا في كل دول العالم ومن مصلحة الحكومة تشجيعهم على الاستثمار في دولة المنشاء، وهذا ما لم يحصل حتى اليوم.

ثالثا: هنالك اصلاحات قطاعية مطلوبة خاصة في الزراعة لرفع انتاجية القطاع الذي يطعم 1,3 مليار شخص ويساهم في تخفيف ظلم الفقر. المطلوب رؤية جديدة ترتكز على المادة والانسان، والهند غنية بهما كثيرا.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment