الحلم باق... و14 آذار في الذاكرة...

03/23/2016 - 15:05 PM

 

خاص بيروت تايمز

كتبت ميشلين أبي سلوم*

 

فريق 14 آذار إذا قال: لا مشكلة عندنا. ويبالغ خصوم فريق 14 آذار إذا قالوا: إنتهى!

الواقع هو أن قوى 14 آذار تعاني أزمة خيارات صعبة نتيجة الضغوط الداخلية القاسية التي تعرضت لها على مدى 11 عاماً، على مختلف المستويات، والتي اتخذت أشكالاً مختلفة، في موازاة انقلابات إقليمية ودولية هائلة، خصوصاً بتأثير من تطورات الربيع العربي.

بالصدور العارية والأقلام واجهت 14 آذار الحديد والنار والدم، منذ اليوم الأول، فسقط لها الشهيد تلو الشهيد، من زهرة الأنقياء من رجالاتها!

وتعرضت 14 آذار للخديعة تلو الخديعة، وتجنبت المواجهة خوفاً من الفتنة مراراً، وقام أركانها بخطوات لا يريدونها حرصاً على سلامة البلد، وقدّموا تضحيات سياسية لعلهم ينجحون في دفع الآخرين إلى الحلول اللبنانية.

ولكن، كان الآخرون يستقوون بالخارج ويستثمرون ليونة 14 آذار للمطالبة بالمزيد. وبعدما انتزعت 14 آذار زمام المبادرة في العام 2005، تخلّت عنها تدريجاً، عاماً بعد عام، حتى تكاد الأمور تعود إلى أيدي خصومها.

وفي الأشهر الأخيرة، ذهبت قوى 14 آذار إلى خيارات مختلفة في بعض الملفات، ولا سيما ملف الاستحقاق الرئاسي. فالرئيس سعد الحريري يدعم وصول النائب سليمان فرنجيه إلى رئاسة الجمهورية، فيما يؤيد الدكتور سمير جعجع وصول العماد ميشال عون. وكلا الرجلين اللذين يتلقيان دعما من 14 آذار هما من فريق 8 آذار!

بالنظر إلى هذه المعطيات، لا تدعو الصورة في 14 آذار إلى الارتياح... إلا إذا كان الحريري وجعجع مقتنعين بأن فرنجيه وعون لن يكونا في موقع الرئاسة ضمن خط 8 آذار. عندئذٍ، لا يكون مستغرباً دعم انتخاب أحدهما رئيساً.

ولا يريح جماهير 14 آذار أن تأتي الذكرى الحادية عشرة بلا حدّ أدنى من الاحتفال. فهي بالنسبة إلى جمهور ثورة الأرز بمثابة الاستقلال الثاني للبنان. وهل تمرّ ذكرى الاستقلال بلا وقفة فخر وتأمل وتوثّب للمستقبل؟

ولكن ما يدعو إلى الاطمئنان هو إيمان 14 آذار، بقياداتها وجماهيرها. فهي، على رغم كل شيء، لم تتخلَّ عن الثوابت. وصحيح أنها ناورت وتناور في السياسة، وتقدّم التنازلات التكتيكية، لكنها لم تتراجع قيد أنملة عن المبادئ.

نبض ١٤ آذار

وأكثر ما يطمئن هو تكرار أركان 14 آذار، وآخرهم الرئيس سعد الحريري، أن ما يجمع هذا الفريق أكبر بكثير مما يفرّق، وأن لا شيء يفرق بين أركانه إلا الموت!

إذاً، في الشكل، لا احتفال في ذكرى 14 آذار هذا العام. ولكن، في المضمون، 14 آذار ما زالت تنبض وتستعد للتوثُّب. ويقول أركانها: ثقوا في أننا مستعدون لمسار 11 عاماً أخرى من النضال.

طريق 14 آذار طويل، والهدف ليس في متناول اليد. لكن بلوغه سيكون مضموناً ما دام أهله مؤمنين به... أياً كان الثمن، ومهما طال الزمن...

لم يكن هناك احتفال لقوى 14 آذار هذا العام في الذكرى الحادية عشرة لولادة هذا الفريق السيادي. ومرّ يوم 14، بمواقف هادئة، ولكن ثابتة تؤكد استمرار ثورة الأرز، مع الإشارة الى أنّ 14 آذار 2005 كان يوم إثنين أيضاً.

الذين ينظرون إلى المسألة بتشاؤم يقولون: تعيش 14 آذار في التخبّط، ولم يعد يجمعها شيء سوى الضرورة وإلتقاط الصورة. أو ربّما باتت تشبه الزوجين اللذين مات الحبّ بينهما، لكنهما لا يريدان الطلاق. ويضيف المتشائمون أو الراغبون في الاصطياد في الماء العكر: إن أحداً لا يمكنه إخفاءَ ما أحدثه التباين بين المستقبل والقوّات اللبنانيّة في الملفّ الرئاسي من أزمة داخل 14 آذار. فبعد إنسحاب الحزب التقدّمي الإشتراكي، بات هذان المكوِّنان العمود الفقري للحركة الإستقلالية. ويضيف هؤلاء: بعد الخضّة الرئاسيّة، إهتزت هيكلية هذه القوى التي كانت تجتمع تحت عنوان الأمانة العامة وتضمّ أحزاباً وشخصياتٍ مستقلّة أخرى.

قادة 14 غير خائفين عليها

لكن هذه النظرة المتشائمة تدحضها مواقف أركان 14 آذار الذين يجزمون أن ثورة الاستقلال مستمرة.

وفيما كان الرئيس سعد الحريري يجدد التأكيد أن لا شيء يفصله عن حلفائه في 14 آذار إلا الموت، كان رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع يجزم أن رؤية 14 آذار لم تتبدل ولن تتبدل، مشيراً الى ان 11 عاماً مرّت، وما زال الحلم نفسه بدولة سيدة ومستقلة. وقال جعجع في ذكرى 14 آذار: الأزمة داخل فريقنا ليست جوهرية انما مرحلية، ومهما بلغت الصعوبات والتحديات لن نتراجع عن تحقيق أهداف ثورة الأرز. وإذا شاءت الظروف ان نستعيض هذه السنة عن الإطلالة الجامعة باطلالات منفردة، فهذا لا يعني إطلاقاً أن 14 آذار انتهت.

لكن القراءة التقويمية اللافتة لوضعية 14 آذار هي تلك التي أجراها عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل الدكتور مصطفى علوش الذي قال: إن 14 آذار كمنظومة قائمة على قيادات قوى 14 آذار ومنظوماتها الحزبية أصابتها الشرذمة في شكل جدي وواضح، على الأقل منذ العام 2009 حتى الآن، بفعل العنف الذي واجهته. وهذه المنظومة أصبحت منذ ذلك التاريخ مشرذمة، لأنها فقدت صفة الثورة وأصبحت لاعباً في السياسة والسلطة، ولاحقاً أخذت كل منظومة من أحزابها خيارات من دون التشاور أو التنسيق مع القوى الأخرى.

وأما المنظومة الوطنية أو منظومة البشر التي تسمى 14 آذار فهي لا تزال قائمة، ولو ان غالبية الناس الذين نزلوا في 14 اذار 2005 فقدوا الأمل بتحقيق هذا الأمر، ومع ذلك نحن ك 14 آذار ما زلنا صامدين في وجه آلة حربية وسياسية ومالية ضخمة على مدى 11 عاماً، وأعتقد أننا سنظل مستمرين حتى نصل إلى وضع مستقر للبلد. فمبرر وجود 14 آذار قائم، وصمودها هو الطريق الوحيد للحفاظ على ديمقراطية لبنان وتعدديته واستقراره، فلو لم يكن هناك 14 آذار، لكان علينا أن نوجدها في الوقت الحالي.

وأكد عضو كتلة المستقبل النائب عمار حوري أن 14 آذار كانت قبل الاحداث وقبل كل التيارات، وعبرت عن نبض الناس في انتفاضة الاستقلال، الذين تحركوا بدافع ذاتي، لذلك هي عصية على الزوال والتراجع، مشدداً على أن مبادئ 14 آذار لا يمكن ان تتراجع، فالحرية والسيادة والاستقلال والعيش الواحد المشترك والنظام الديمقراطي والرأي والرأي الآخر، لا قدرة لأحد على الغائها. وأوضح أن هناك خلافات تنظيمية داخل 14آذار، وهذا ليس سراً، ولكن ذلك يؤكد ان 14 آذار مجموعة ديمقراطية متنوعة، ورغم تباين الآراء فيها حول بعض التفاصيل إلا انها لا تختلف حول المبادئ والمثل العليا.

جردة التجربة

في أوساط تيار المستقبل مَن يقول: ربّما من المبكّر إجراء قراءة لتجربة 14 آذار، لكن قوى 14 آذار تأخرت بالتأكيد في إجراء مراجعة نقدية لمسيرتها منذ 11 عاماً وما تخلّلها من إنجازات وإخفاقات في آن. ذلك أن إطلاق العنان لانتقادات قيادات وجمهور 14 آذار لهذه التجربة من دون الوقوف على أسباب الإخفاقات على نحو موضوعي بعيداً من المزايدات السياسية، في بعض الأحيان، إنما يزيد هذا الجمهور إحباطاً ولا يحدّد مكامن الخلل الفعلية، التي ترتبط من جهة بخلفيات نص الدستور وروحه اللذين يدفعان في الاستحقاقات الكبرى الى اللجوء للتسويات، ومن جهة ثانية بالأعراف التي انبثقت من الميثاق الوطني، وثالثاً بميزان القوى القائم في البلد.

وهذا الكلام واقعي جداً لأنه يحدد ل14 آذار ما لها وما عليها. فعلى رغم الانتكاسات في مسار هذا الفريق، استطاع أن يحقق إنجازات عديدة. ولا يجوز إنكار خروج القوات السورية من لبنان وزوال الوصاية، وإطلاق عجلة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وعلى رغم أن الحكومة الحالية عاجزة والمؤسسات مشلولة، فإنها ليست واقعة تماماً في قبضة المحور الإقليمي.

ويحلو للبعض عن سوء نية أن يعمِّم صورة فشل 14 آذار وثورة الأرز، لكنه سرعان ما سيكتشف أنها قوية وستعود أقوى لأن لا خيار أمام قادتها وجمهورهم إلا الصمود والمثابرة والتضامن من أجل الوصول إلى الهدف المنشود، أي بناء لبنان الذي تريده الأجيال الطالعة.

14 آذار هي الحلم، ولا أحد يستطيع القضاء على هذا الحلم.

 

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment