التوريث ديانة الإقطاع

03/23/2016 - 12:31 PM

 

 

زينة منصور

تشهد الجمهورية اللبنانية هجمة ممتدة على التوريث السياسي عابرة للطوائف في كل عائلات الاقطاع السياسي التقليدي المناطقي الطائفي، يقابلُها هجمة مرتدة ضدّه تمثل شريحة عريضة من الرأي العام. تياران يتجاذبان مشهد التوريث: تيار عريض ضد التوريث يمثله الشباب غير المؤمن بتجربة الزعماء والأحزاب بعد سلسلة نكسات تاريخية ووعودهم الغوغائية التي تصب في خانة أشخاص وعائلات لا الخير العام لعموم الشعب. وتيار مؤيد له يمثله الشباب المنضوي في الأحزاب التي تبنّت خيار التوريث العائلي لرئاسة الحزب على أن يُستكمل المشهد لاحقا بالتركة الوزراية - النيابية لكرسي في البرلمان او الحكومة او الاثنين معاَ.

"شرق أوسط جديد" وتفكك "قديم"

من هنا بين تيارٍ رافضٍ وآخرَ مؤيدٍ، يقفُ لبنان على منعطف حاسم في لحظة تاريخية حرجة بين انبثاق ما يسمى بـ "شرق أوسط جديد" وتفكك "قديم". وعليه، يطرح اللبنانيون سؤالاً حول مصير الجمهورية الصغيرة بعد توريثها عائلياً،حزبياً، سياسياً،إقطاعياً وإقتصادياً. مع الإشارة إلى أنّ عملية توريث السلطة فيما عدا الأنظمة الملكية تُعتبر من أخطر مظاهر القضاء على الأنظمة الجمهورية. ويبقى التوريث السياسي "المنظّم" داخل الجمهورية هو الأخطر مع ضرورة التفريق بين نسق الحكم الملكي ونسق الحكم الجمهوري القائم على بناء السلطة بالانتخاب وبإعادة إنتاجها دورياً.

والخطير في النظام اللبناني الجمهوري البرلماني أنّ التوريث السياسي أصبح نسقاً فكرياً للعائلات السياسية. وهو نسق مناقض للدستور ينفي مبدأ التنوع وصحة التمثيل والحق بمستقبل أفضل يتطلع له اللبنانيون، إذ تسود جمهورية الألفية الثالثة كما الثانية منظومة حكم عائلي معلنة وأيديولوجية توريث سياسي تتبنّاها ثقافة إجتماعية عائلية راكدة جعلت الشعب مشلولاً فاقداً لأيّ دور في عملية الحكم ومتفرجاً صامتاً من بعيد لدورة الحياة السياسية على مدى اربعة اجيال من سبعين عائلة تقريباً تتوالى على حكم لبنان منذ أيام السلطنة العثمانية حتى الحظة. يقول مبدأ الديموقراطية"، الشعب وراث السلطة"، ينتخب عنه من يمثله، اما أن يتم توريثها بموجب الانتماء الجيني لا شك انه مشهد خطير له تداعياته على المستوى الوطني.

تحضير او تنفيذ توريث السلطة

لم يخرج اللبنانيون بالثورة على التوريث كما فعل المصريون والسوريون والتونسيون واليمنيون والليبيون حين تمّ تحضير او تنفيذ توريث السلطة في تلك الدول. ثورة اللبناني عام 2005، والتي كانت شرارة ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، كان عنوانها رفض الاحتلال السوري. إلا أنّ مئات الاف اللبنانيين الذين انتفضوا حينها كانت عينُهم على طي مرحلة امتدت لما بعد انتهاء الحرب الاهلية نتيجة انتقال سلطة الميليشيات المتقاتلة الى داخل المؤسسات وشرعنة أدوارها ووجودها بموجب تسوية عفا الله عما مضى. وما يجري اليوم في جوار لبنان أكبر دليل على فشل التوريث في أنظمة الحكم الجمهوري مثل سوريا، العراق، تونس،ليبيا، مصر واليمن. الأمر الذي يمكن أن يذهب بالجمهورية والشعب نتيجة حب الخلود السياسي لعائلة او طائفة او حزب.

كان اللبنانيون بعد انتفاضة استقلالهم عن الهيمنة البعثية يأملون بداية صفحة حكم متمدن يفتح أفاق بناء دولة حديثة بدل إعادة النسل السياسي لزعماء الأحزاب والميليشيات ورموز الاقتتال الطائفي. من هنا، إنّ لبنان ما بعد التوريث السياسي يكشف زيف نظامه الجمهوري البرلماني. إذ بدأ يشعر اللبناني أنّ نظامه لم يحل مشكلته مع الدولة ومعضلة ما يسمى بـ "زعماء الطوائف والاحزاب الطائفية" التي تتأرجح بين أحزاب ميليشياوية بمشاريع انفصالية وأحزاب نضالية شكلاً بمشاريع شكلية تُختصر بتكريس حضور أشخاص الزعماء وبعض المستنفعين.

تكريس وترسيخ مشكلة اللبناني مع نظامه

عملت عائلات الاقطاع السياسي على تكريس وترسيخ مشكلة اللبناني مع نظامه وعدم حلها من أجل ديمومة اقتران السبب بالمسبب وبقاء مفتاح الحل في جيبها. بالمقابل، لم تسعَ النخب اللبنانية إلى إنبات مشروع حداثي نهضوي يولد عصراً جديداً ينهي مدارس الاقطاع ويخلق مرحلة جديدة في تاريخ السياسية اللبنانية. لم يستطع لبنان حتى الساعة بناء تجربة حكم دستورية برلمانية خارجة عن هيمنة الاحزاب الطائفية على الدولة وقائمة على نخبة سياسية جديدة وتكوين كوادر سياسية شابة تمتاز بالعلم والإدارة والثقافة والمعاييرالوطنية لا الطائفية التي يضع سقفها الزعماء او الأحزاب-الميليشيات او المرجعيات الدينية.

إنّ الصراع السياسي الشديد على السلطة في لبنان والذي اكتسى حلة طائفية أدى الى قتل 200 الف لبناني لم يعد احد يذكرأسماءهم.وعليه، تعاني السياسة اللبنانية خصوصاً من مشكلة عدم اخلاقيتها، ما أفرز مشكلة أخرى تُختصر بعدم وجود قيمة للمواطن- الإنسان وانحدار خط التاريخ للبنان بدلاً من ان يكون لبنان صاعدا في مسار تاريخه وفي مشروع الحداثة القائمة على الإنسانية الحقة والمواطنة العادلة. وهنا أيضاً تكمن معضلة الحياة السياسة وان بدت مشكلة مثالية لكنها تساهم في زيادة الأزمات تأزيماً في ظل غياب رجالات تُغلّب مصالح الوطن على مصلحة الأشخاص ونرجسيتهم باستثناء قلّة.

تلاعبت الأحزاب والميليشيات بمشروع قيام الدولة

منذ ستينات القرن الماضي، تلاعبت الأحزاب والميليشيات بمشروع قيام الدولة وحرفته عن مساره. ويشهد لبنان حاضراً مرحلة ما بعد توريثه سياسياً بعد أن قدمت كل العائلات جيلها الرابع من الأحفاد. وأكثر فأكثر، بدأ يظهر للبنانيين أنّ كل هذه الخطوات لا تعدو كونها خديعة إجتماعية ومصلحة لعائلات معينة تحت عنوان تقليدي "بقاء منظومة الدفاع الكلاسيكية عن حقوق الطائفة وقوتها وحضورها في وجه الطوائف الأخرى". وهكذا ظهر لأحفاد الشعب اللبناني ان كل منظومة التوريث السياسي للجيل الرابع من الأحفاد السياسيين ليست الا إستثماراً مستقبلياً في فكرة الدولة-المزرعة.

ويسأل سائل لماذا يقبل اللبنانيون كل ذلك؟. إنكسر الشعب اللبناني نتيجة الحروب وإرتدت تداعياتها عليه بقبول قدسية بعض العائلات السياسية من كل الطوائف. بدأ ظهور هذا الانكسار بقبوله بكل ما هو لاغياً لكرامته الوطنية على حساب كرامة زعمائه وان كانت تغرف من رصيد حقوقه في المواطنة. والسؤال هل يمثل الوارثون في السياسة طوائفهم اوتطلعات المواطنين اللبنانيين. وماذا كان مصير لبنان بعد سلسلة التوريث السياسي في السبعينات؟.لا شك أن غالبية اللبنانيين والسياسيين يهربون من الاجابة لأن كلفته كانت حرباً أهلية من أجل الآخرين ما زال اللبناني يعيش تداعيات خسائرها التي طاولت أجيالاً عدة منه.

مدرسة التوريث منافية لمشروع الحداثة

من يدافع عن مشروع التوريث يحاول تلمس الاعذار لمسيرة الوارثين القدامى، موارياً كيف كانت قرارتهم وبالاً على تاريخ لبنان وطوائفه وخيراً على حساباتهم المصرفية. إنّ مدرسة التوريث منافية لمشروع الحداثة والتقدم الطبيعي للجمهوريات، بدأت تأخذ الجمهورية اللبنانية الى مشاريع رجعية ظلامية لا تحمل أي بارقة أمل بالتقدم. هي فكرة الاستمرار الى أبد الآبدين والايمان السياسي التجاوزي والمدد في الحياة السياسية بعد الموت وهي انعكاس لمكيافلية السياسة اللبنانية الطائفية الإقطاعية المناطقية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment