دفاعاً عن الورق

03/18/2016 - 15:16 PM

 

عقل العويط

 

قد ينتمي الآخرون حصراً إلى أساليب الماضي، أو قد ينتمون حصراً إلى التكنولوجيا. هذا شأنهم. أما نحن فنختار انتماءنا المزدوج إلى الخيال؛ إلى الخيال الذي يخترعه الورق، الجليل، الفتيّ، النزِق، اللذيذ، المصنوع من برقٍ، ومن مفاجأة. كما ننتمي في الآن نفسه إلى التكنولوجيا. فما أعظم هذا الزواج!
ننتمي إلى هذا الخيال لأنه ينبوع، ولأن الينبوع يعثر على وطنه في الحبر، ولأن الحبر يجد مبتغاه على الورق.
وننتمي إلى عالم الاختراعات، وهي عظيمة. بل مدعاةٌ للاعتزاز والافتخار.
لكن مهلاً. فالاختراعات وسيلة، وليست هي الإله ولا البديل.
فلتُفتَح التكنولوجيا على آخرها، ولتستنبط وسائل التواصل الالكتروني ما تشاء من سبل الإعلام والإخبار، ولنذهب جميعنا إلى هناك، ولنصنع لنا مستقبلاً فيها حيث ينبغي للمستقبل أن يكون. لكنّ مسؤوليتنا العظمى أن نحفظ للورق كرامته، ولنبع الحبر مجراه، وأن، خصوصاً، لا نصبّ فوقه الباطون المسلّح.
الورق يجب أن يبقى هو الورق، والحبر يجب أن يبقى هو الحبر، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.
عبثاً يقتلونكَ أيها الورق. عبثاً يبحثون لكَ عن بديل. عبثاً يهربون إلى الأمام، إلى الوراء، إلى اليمين، أو إلى اليسار. كلّما حاولوا أن يرتّبوا لكَ النهايات، ويهيّئوا لكَ القبور، خرج من قبور النهايات ما يشبه البراكين والزلازل التي تعيد الحسابات إلى نقطة الصفر، والخيال إلى فجره الأوّل.
المحنة تزيدكَ اخضراراً ورونقاً. الوجع يحرّركَ من الأخطاء. اليأس يمنحكَ توحّش الأمل. الفقر يخترع لكَ أسباب التألق والحرية. الموت يتحدّاك، ويضعكَ أمام أعجوبة الحياة، لتعيد خلق هذه الحياة. فما أجمل جروحكَ حين تشرق في العدم، وتومض كما يومض روحٌ في ظلام العقل والحرية.
لن نستعطي. لن نمدّ الأيدي. ولن نطأطئ الورق والحبر.
أصحاب الأموال يمكنهم أن يصرفوا أموالهم كيفما شاؤوا. على الإنسان والعلم أو على الحريم. على موائد العربدة أو في المواخير. يمكنهم أن يصرفوها من أجل السلام أو لشنّ الحروب. وبناء الأبراج. وشراء الدبّابات. والطائرات. كما يمكنهم أن يصرفوها للقضاء على الفقر أو لاختراع وسائل جديدة للقمع. وكمّ الأفواه. واستئجار الجواري. وشراء الضمائر.
نحن واضحون: لن نسمح لأحد بأن يذلّ الورق الحرّ والحبر الحرّ. وإذا ليس لسبب، يجب أن لا يسكت الورق، وأن لا ينطفئ الحبر، فلهذا السبب بالذات.
الخيال المهدَّد في ليله، في قمره، في غيومه، وفي فجره، يجب أن نكتب دفاعاً عن ورقه وحبره. لأن في ذلك دفاعاً عن الحياة والحرية. للورق والحبر ننحني بشرف وكرامة!

 

النهار

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment