تبينا وتفنيدا بذل وبذلات الاقطاعية القاتلة في بلادنا

03/15/2016 - 19:10 PM

 

 

الدكتور غازي المصري

 

لعل زعماء لبنان ما زالوا يعيشون الزمن العثماني الذي أنتجهم. البعض ممن يعارضون المقاربة عن أن هذه العائلات الحاكمة اليوم هي بقايا أعيان العثمانية بكل ما للكلمة من معنى العمالة وخدمة الباب العالي، ما عليهم إلا أن يعودوا إلى تاريخ العائلات اللبنانية في العهد العثماني. إن دراسة ومراجعة قوانين المُلكية والتملك في تلك الحقبة، وتوزيع المال والعقارات من قبل الباب العالي على من كانوا يخدمونه ويتعاملون معه هي الإجابة بعينها. بموازاة ذلك، فالعائلات التي قاومت "العثمانية" او شاركت في مقاومتها أقصيت عن السياسة ولم تسطع المشاركة في السلطة إبان الإستعمار الفرنسي، وبقيت عائلات عادية لم تدخل الحكم. استمرت هذه العائلات الإقطاعية في الحكم متحالفة مع المذهب، وترسخت الذهنية العثمانية للإدارة في عقول زعماء لبنان وجعلتهم يورثون أولادهم السلطة والرعية كمُلكية خاصة. مع فارق بسيط هو بروز الإطار الحزبي حاليا "المغطى مذهبيا" برجال الدين.

البحث في تاريخ لبنان

تفيد خلاصة البحث في تاريخ لبنان ان هذه العائلات تتخاصم احياناً وتتهم بعضها البعض بالفساد وبعرقلة مشاريع انماء الوطن أحياناً أخرى لكنها أبداً متحالفة متقاربة. على ضوء ذلك، يظهر كل زعيم أمام جماعته بأنه المناضل النزيه، فتكافئه جماعته بالتطبيل والتزمير دون الاستفادة من أي إنتاج أو تقديمات اساسية ضمن حقوق المواطنة. أما عندما يشعر الزعماء المتخاصمون بأن موقع أحدهم مهدداً يهرعون لحماية بعضهم البعض بحجج واهية، كالسلم الأهلي والعيش المشترك وما شابه. ويبدأون بالوعود والتبشير بيوم أفضل قادم، والجماعات تصدقهم، ومرة أخرى تطبل وتزمر لحكمة زعيمها.

شعارات واهية مبتذلة

هكذا تستمر العائلآت الإقطاعية الحاكمة تمثّل على جماعاتها بنفس الطريقة البهلوانية الهوليودية مُقنِعةَ جماعة الطبل والزمر بشعارات واهية مبتذلة. لعل زعماء لبنان لا يريدون النظر إلى مستوى التطور المعرفي وتطور الوعي لدى الفرد اللبناني كي لا يصبحوا ملزمين بالاعتراف بالمجتمع اللبناني وهم يقفزون فوقه ليلاً نهاراً دون الاكتراث به، مع العلم ان التطور والوعي لم ينتشر على مستوى الأفراد في لبنان بشكل كاف من أجل الانطلاق إلى حرية الفرد والخروج من الفكر الجمعي الشمولي المصغر في المجتمع.

وهكذا نجد إن الزعماء رعيان والجماعات أغنام. يستوحي الزعماء الإقطاعيين من تجربة الحكام العرب الذين لم يأبهوأ او لم ينتبهوا أن شعوبهم خرجت من التأثير العثماني في تأليه الحاكم. بدأت تنظر إلى مستقبل جديد متطور متنوع خارج إطار سيطرة العائلة الإقطاعية الحاكمة وحاشيتها وحزبها. إذا حللنا المشاكل التي واجهت الحكام أو رؤساء الأحزاب الذين أسقطوا او أخرجوا من الحكم، نجد أن التوريث السياسي لأولادهم وأقربائهم أسقط معظمهم في الانظمة الجمهورية.

من العوامل المؤثرة ايضا كانت سطوة زوجة الزعيم على القرارات والصفقات وجشع النساء الذي يصيب أي إمراة أصابها جنون السلطة. إن الأسباب ألآنفة الذكر ستؤدي إلى سقوط الأحزاب اللبنانية، حيث ان زوجات بعض الورثة، خاصة اذا كانت من عادات وتقاليد مختلفة، لن تأخذ بعين الاعتبار عادات وتقاليد المذهب الاخر والغطاء الديني للوارث، مما قد يؤدي إلى إفساد العلاقة بين الوارث والشعبية المصطنعة له اصلا بسبب التمذهب والقبلية في المجتمع.

من سيقود الحزب بالوراثة من الاب الى الابن

بعض عمليات التوريث نجحت في بدايتها انما أدت إلى حروب أهلية لاحقا، كما حصل في سوريا. قد لا يكون من هم خارج الأحزاب مهتمون بمن سيقود الحزب بالوراثة من الاب الى الابن، انما عملية التوريث بحد ذاتها تعبر عن عدم ثقة المسؤولين بجميع رفاقهم. وهي اهانة لكل الاعضاء المناضلين والمطبلين بالدم بالروح، ودلالة ان الحزب لم يبنِ كادراً موثوقاً لقيادة المسيرة. تحول بذلك الحزب الى شركة خاصة لمتابعة الامور الانتخابية للزعيم لا أكثر ولا أقل، مقابل مجمع حليب، تنكة بنزين، سندويش فلافل او حراسة صورة الزعيم والدفاع عنه. هذا دليل ان الذهنية الأقطاعية ما زالت مسيطرة على جميع زعماء الاحزاب رغم عقائدهم، المُسماة شكلاً لا تطبيقاً، تقدمية او يسارية او شعبية.

ويبقى السؤال لهؤلاء التابعين المطبلين للتوريث السياسي النيابي الوزاري الحزبي دون محاسبة او مراجعة، ماذا حقق الزعماء لهم شخصيا ولعائلاتهم؟. ماذا حقق لمستقبل أولادهم وضمان حياتهم وعملهم؟. هل هذا الزعيم أو ذاك يتقاسم الحصص والأرباح من الاستثمارات في الداخل والخارج مع رفاقه في الحزب او المذهب؟. يستطيع كل فرد أن يسأل نفسه عن واقع حياته ويفتش عن الأجوبة. هل سيجدها إيجابية للمستقبل، هل سيقيّم كل رفيق نفسه بتنكة بنزين أو سندويش في وقت الزعماء ينهبون الخزينة والمساعدات الخارجية لطائفتهم ويحتكرون الدولة اللبنانية؟.

الأغلبية ما زالت تحت تأثير الحرب الأهلية

قد يقول البعض نحن نخسر دون هذا الزعيم، هذا ليس بشيء غريب، لأن الأغلبية ما زالت تحت تأثير الحرب الأهلية التي قادها الزعماء أنفسهم، بصفتهم أمراء حروب. كل زعيم يصوّر نفسه الحامي من المذاهب الأخرى ويشحن الفكرة في رؤوس الناس عبر أزلامه وحزبه والتهجم على المذاهب الأخرى أحياناً او نكىء الجراح أحياناً أخرى. ليس مستبعدا في حال شعر هؤلاء أن الكرسي ستتخلى عنهم أن يفتعلوا حربا أهلية جديدة أو يستدعوا بالتوافق بين بعضهم البعض احتلالاً أو استعماراً يكون أكثر فسادا وقمعا منهم وذلك برضى حلفائهم المذاهب الأخرى. انها الذهنية العثمانية الإقطاعية لهؤلاء الزعماء أن يحرقوا البلد والشعب ليشعلوا سيجارهم كل 30 سنة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment